بين خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وركام منزل لم يبق منه سوى جدران مهدمة، يتابع النازحون في قطاع غزة التحضيرات لعقد الانتخابات التشريعية المرتقبة، آملين أن تكون صناديق الاقتراع هذه المرة بوابة إلى مرحلة سياسية جديدة، تنهي سنوات الانقسام وتعيد الوحدة السياسية بين غزة والضفة الغربية.
وبالنسبة إلى كثير من هؤلاء النازحين، لا تبدو الانتخابات مجرد استحقاق سياسي أو موعد لاختيار أعضاء مجلس تشريعي جديد، بل فرصة لاستعادة شعور فقدوه خلال سنوات الحرب والانقسام، ووسيلة لانتخاب قيادة قادرة على التعامل مع آثار الدمار، وإعادة إعمار منازلهم، وترميم الخدمات والمؤسسات، ووضع حد لحالة الانقسام التي قسمت النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني إلى مسارين متباعدين.
وتتجه الأنظار إلى الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، بعدما أصدر رئيس السلطة محمود عباس في يوليو/ تموز الماضي مرسومًا دعا فيه الناخبين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة في الاقتراع.
وفي حال عقدها، ستصبح هذه الانتخابات الثالثة في تاريخ السلطة، بعد انتخابات 1996 و2006.
ويحمل النازحون، الذين فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم خلال الحرب، قائمة طويلة من المطالب إلى الصندوق الانتخابي، في مقدمتها تشكيل حكومة موحدة تتولى إدارة قطاع غزة والضفة الغربية ضمن نظام سياسي واحد، وتضع ملف إعادة الإعمار على رأس أولوياتها.
ويرى النازح كريم عليان، الذي دمر جيش الاحتلال منزله في حي الدرج، بمدينة غزة، خلال الحرب، أن استمرار الانقسام السياسي لم يعد يحتمل، ولا سيما بعدما دفَّعت حرب الإبادة سكان غزة ثمنًا باهظًا من أرواحهم ومنازلهم وأفقدتهم مصادر دخلهم، في وقت لا يزال مستقبل القطاع السياسي والإداري غير واضح لكثير من السكان بالرغم من تشكيل لجنة لإدارة غزة، التي لم يسمح الاحتلال بوصولها إلى القطاع.
وقال عليان، الذي يعيش وعائلته في خيمة بالية داخل مركز إيواء وسط مدينة غزة: إن ما يريده من الانتخابات ليس فقط اختيار أسماء جديدة للمجلس التشريعي، وإنما حكومة واحدة تمثل الفلسطينيين جميعًا.
وأضاف لصحيفة "فلسطين"، أن الفلسطيني الذي فقد منزله في غزة يحتاج إلى جهة تمثله قادرة على إعادة بناء البيت والشارع والمدرسة والمستشفى، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى قرار فلسطيني موحد، محذرًا من أن استمرار الانقسام يعني استمرار تشتت الجهود والموارد والقرارات.
ولا تنفصل هذه الآمال عن الذاكرة السياسية الفلسطينية؛ فالانتخابات التشريعية الأخيرة جرت في يناير/ كانون الثاني 2006، وفازت بها حركة المقاومة الإسلامية حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.
وكان الفلسطينيون قد اقتربوا من استعادة العملية الانتخابية عام 2021، عندما صدر مرسوم رئاسي دعا إلى إجراء انتخابات تشريعية في مايو/ أيار، ورئاسية في 31 يوليو/ تموز من العام نفسه. وفتحت لجنة الانتخابات باب التسجيل والترشح، وسجل أكثر من 2.5 مليون فلسطيني ممن يحق لهم الاقتراع في الانتخابات التشريعية.
لكن العملية توقفت قبل موعد الاقتراع، إذ أعلن عباس تأجيل الانتخابات بذريعة عدم توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس.
ويرى محمود جندية، الذي فقد منزله بحي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، أن الانتخابات المرتقبة يجب أن تكون "طريقًا لإنهاء الانقسام"، معتبرًا أن الفلسطينيين الذين عاشوا سنوات طويلة تحت سلطتين سياسيتين منفصلتين بحاجة إلى قيادة واحدة قادرة على تمثيلهم جميعًا.
وبالنسبة لجندية، الذي يقيم في خيمة وعائلته المكونة من 8 أفراد، فإن الأولوية بعد الحرب تتمثل في إعادة إعمار المنازل المدمرة، وعودة النازحين إلى مناطقهم، وإعادة تشغيل المدارس والمستشفيات والبلديات والمؤسسات، وهي مهام يقول: إنها تحتاج إلى إيجاد حكومة فلسطينية واحدة تتمتع بالقبول الدولي بما يمكنها من الاستفادة من الضغوط الدولية لإجبار الاحتلال على الانسحاب وتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار.
أما النازح رامي العجلة، الذي دمر جيش الاحتلال منزله في حي الشجاعية أيضًا، فقد بات ينظر إلى الانتخابات من زاوية مختلفة؛ فهو يريد مجلسًا تشريعيًا قادرًا على مراقبة الإجراءات الحكومية، وضمان أن تصل المساعدات وعمليات إعادة الإعمار إلى مستحقيها، بعيدًا عن التجاذبات السياسية التي غلبت على الحياة الفلسطينية خلال سنوات الانقسام.
وفي غزة، حيث تحولت أحياء كاملة إلى مناطق واسعة من الركام، لا تبدو فكرة إعادة الإعمار مسألة هندسية أو اقتصادية فحسب. فعودة الفلسطينيين إلى حياة مستقرة تحتاج، في نظر سكان القطاع، إلى إطار سياسي فلسطيني موحد قادر على إدارة القطاع والتفاوض بشأن مستقبله.
وفق تطلعاتهم، يريد النازحون أن تمثل أي حكومة ممكن أن تفرزها الانتخابات التشريعية، الفلسطينيين جميعًا، لا حكومة لجزء من الجغرافيا الفلسطينية. كما يأملون أن تتولى إدارة قطاع غزة ضمن إطار موحد، وأن تكون لها القدرة على التواصل مع الضفة الغربية سياسيًا وإداريًا، بما يعيد وصل المنطقتين اللتين فصل بينهما الانقسام لسنوات.

