فلسطين أون لاين

غزة تبدأ عامًا دراسيًا جديدًا... معركة لاستعادة رأس المال البشري (1-2)

مع بدء عام دراسي جديد، تبدو غزة أمام سؤال يتجاوز عودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة: كيف يمكن لاقتصاد مدمر أن يحافظ على رأس ماله البشري، في حين يعيش مئات الآلاف من الأطفال خارج التعليم النظامي، وتواجه الأسر ضغوطًا اقتصادية تجعل الإنفاق على التعليم منافسًا مباشرًا للغذاء والمياه والصحة والسكن؟

تشير أحدث بيانات اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل في غزة، بين 4 و17 عامًا، حُرموا التعليم الوجاهي الرسمي ما يقارب ثلاثة أعوام متتالية، في حين لا يحصل نحو 420 ألف طفل، أي قرابة 60%، على أي تعليم وجاهي. كما أن نحو 98% من مباني المدارس متضررة، وأكثر من 93% منها تحتاج إلى إعادة تأهيل رئيسة أو إعادة بناء كاملة، وتعرض نحو 81% لضربات مباشرة.

وهذه الأرقام لا تعكس أزمة تعليمية فحسب، وإنما خسارة اقتصادية في رأس المال البشري.

الأسرة الغزية أمام معادلة اقتصادية قاسية

بالنسبة للأسرة في غزة، العودة إلى التعليم لا تعني فقط توفير مقعد للطالب، وإنما تعني سلسلة من النفقات: الملابس، والقرطاسية، والحقائب، والمواصلات، والاتصالات والإنترنت، والغذاء في أثناء اليوم الدراسي، وأحيانًا تكاليف التعليم البديل أو الدروس التعويضية.

وهذه النفقات تأتي في وقت أصبحت فيه قدرة الأسر على الإنفاق محدودة للغاية. وتشير الإحصائيات إلى أن محدودية فرص الدخل وضعف القوة الشرائية لا يزالان يمنعان كثيرًا من الأسر من تلبية احتياجاتها الأساسية، وأن أكثر من 60% من إنفاق الأسر المستفيدة من المساعدات النقدية يذهب إلى احتياجات غير غذائية، تشمل الصحة والوقود والنقل والملابس والاتصالات واحتياجات الأطفال وسداد الديون.

وعليه تصبح الأسرة أمام مفاضلة اقتصادية مؤلمة:

هل تنفق دخلها المحدود على تعليم الطفل، أو على الغذاء والماء والدواء والوقود والسكن؟

وهنا تظهر خطورة الأزمة؛ لأن انخفاض دخل الأسرة لا يؤدي فقط إلى انخفاض الاستهلاك، بل قد يؤدي أيضًا إلى خفض الاستثمار في تعليم الأطفال.

التعليم أصبح عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة

في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى التعليم بكونه استثمارًا طويل الأجل، فالأسرة تتحمل تكلفة التعليم اليوم مقابل حصول ابنها مستقبلًا على مهارات تؤهله لدخل أفضل.

لكن في غزة تغيرت المعادلة، فالأسرة تدفع تكلفة التعليم في الوقت الذي تواجه فيه انخفاضًا شديدًا في الدخل وارتفاعًا في الاحتياجات الأساسية، في حين يعاني سوق العمل نفسه انهيارا واسعا.

وهذا يخلق ما يمكن تسميته اقتصاديًا:

"فجوة الاستثمار الأسري في رأس المال البشري".

أي أن الأسرة تريد الاستثمار في تعليم أبنائها، لكنها لا تمتلك الموارد الكافية لذلك.

المصدر / فلسطين أون لاين