مدخل نظري
منذ ظهور مفهوم "الثورة في الشؤون العسكرية" في تسعينيات القرن الماضي، ظلت الفرضية المركزية في الأدبيات الاستراتيجية الغربية قائمة على أن التفوق التكنولوجي يبقى امتيازًا حصريًا للدول ذات القدرات الصناعية والمؤسسية الكبرى، غير أن دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى ساحة الصناعات الدفاعية، بما يحمله من قدرة على اختصار دورات التطوير الهندسي التي كانت تستغرق تقليديًا فرقًا متخصصة وسنوات من التجريب، يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل ما زال هذا الاحتكار قائمًا، أم أننا أمام إعادة توزيع - ولو جزئية ومقيّدة - للقدرة التكنولوجية بين الدول من جهة، والفاعلين الدولانيين الذين يمارسون وظائف "حوكمية" وعسكرية دون امتلاك السيادة الكاملة، من جهة أخرى؟
أولًا: حدود فرضية احتكار الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي
الكشف الذي نشرته شركة أنثروبيك في سبتمبر 2026 عن استخدام خلية يمنية لنموذج "كلود" على مدى تسعة أشهر لتطوير برمجيات التوجيه والملاحة لثلاثة مشاريع صاروخية متوازية - يقدّم حالة اختبار مثالية لهذه الفرضية؛ فالخلية لم تحتج إلى استيراد معرفة هندسية متكاملة عبر شبكات نقل تقليدية (كما جرت العادة تاريخيًا مع الدعم الإيراني لحزب الله والحوثيين)، بل استخدمت أداة تجارية متاحة عالميًا لأداء وظائف كانت تتطلب فريقًا متخصصًا من مهندسي الطيران والتحكم. ما يعيد صياغة السؤال الذي طرحه كرونين في "Power to the People": لم يعد السؤال: هل تنتشر القدرة المميتة نحو الفاعلين الأضعف، بل ما مدى السرعة التي يمكن أن يحدث بها هذا الانتشار حين تصبح أداة التطوير نفسها، لا فقط السلاح النهائي، قابلة للوصول التجاري؟
لكن الحالة نفسها تكشف حدود هذا الانتشار، حيث أكدت الشركة على عدم وجود دليل على إنتاج سلاح تشغيلي ناجح، والتجربة الميدانية الوحيدة المسجلة باءت بالفشل، ما يوجّهنا نحو تمييز جوهري تغفله كثير من التغطيات الإعلامية المتسرعة؛ فالذكاء الاصطناعي يسرّع الطبقة العليا من التطوير الهندسي (خوارزميات التوجيه، معالجة بيانات الاختبار)، لكنه لا يعوّض غياب القاعدة الصناعية التحتية: الوقود الدافع، مواد التصنيع، منصات الإطلاق، التي تبقى رهينة بالنقل التقليدي أو التصنيع المحلي.
ثانيًا: إطار الحوكمية الفوكوي - المراقبة كأداة ضبط ما بعد استعماري
إذا تجاوزنا القراءة التقنية البحتة نحو تحليل ميشيل فوكو للسلطة والمعرفة، فإن ما يجري ليس مجرد إساءة استخدام تُكتشف وتُعالج بمنطق تقني محايد، بل ممارسة حوكمية بنيوية؛ فالشركات المُنتِجة لهذه الأدوات، ومعظمها أمريكي، تحتفظ بموقع مراقبة دائم على أنماط استخدام فاعلين لا تربطهم بها أي علاقة قانونية أو تعاقدية مباشرة، عبر ما يمكن تسميته حوكمية حيوية عابرة للحدود، كما أن الخطاب المرافق لهذه المراقبة يستخدم مفردات مثل إساءة الاستخدام والسلامة، ليس محايدًا، بل يُنتج تصنيفًا مسبقًا للفاعلين الشرعيين وغير الشرعيين يخدم مصالح جيوسياسية محددة سلفًا.
ويتجلى هذا بوضوح في المفارقة التي تكشفها المقارنة بين حالتين من العام نفسه، حيث إن الإفصاح التفصيلي والفوري عن الاستخدام اليمني، مقابل الصمت الذي أحاط باستخدام الجيش الأمريكي النموذج ذاته عبر شراكته مع بالانتير في عملية عسكرية استهدفت الرئيس الفنزويلي مادورو في يناير 2026، وأسفرت عن قصف كراكاس ومقتل عشرات المدنيين.
هذه الازدواجية ليست عرضية، بل تكشف أن خطوط السلامة المعلنة قابلة للتفاوض حين يكون الفاعل هو الدولة الراعية للنموذج نفسه أو حليفًا لها، بينما تُطبَّق بصرامة وتُوظَّف إعلاميًا حين يكون الفاعل من خصوم واشنطن الإقليميين.
ثالثًا: الواقعية الهجومية وحدود تفسيرها لسلوك الفاعلين دون الدولانيين
يقدّم إطار مِيرشايمر تفسيرًا جزئيًا مفيدًا لسلوك واشنطن هنا؛ فالدولة الساعية للهيمنة الإقليمية تتبنى بالضرورة استراتيجية حرمان تكنولوجي تجاه أي طرف قد يُخل بتوازن القوى القائم، سواء عبر قيود التصدير الرسمية أو عبر آليات مراقبة غير رسمية كالتي تمارسها شركات التكنولوجيا، غير أن هذا الإطار، المصمم أصلًا لتفسير سلوك الدول ذات السيادة الكاملة المتصارعة على الهيمنة، يجد حدوده حين يُطبَّق على فاعلين مثل حماس أو الحوثيين، الذين لا يسعون لموازنة القوة بالمعنى الواقعي التقليدي، بل يعملون بمنطق استراتيجيات الضعيف، وتعويض الفجوة التكنولوجية بالإرادة والتحمل الزمني، لا بالتناظر التقني المباشر.
فالذكاء الاصطناعي هنا لا يغيّر هذا المنطق الأساسي، بل يوفر أداة تسريع هامشية ضمن استراتيجية أعمق أساسها الصمود لا التفوق التقني.
رابعًا: نحو مفهوم "التبعية التكنولوجية غير المتماثلة"
المعضلة البنيوية التي يواجهها أي فاعل دولاني يسعى لتوظيف الذكاء الاصطناعي في مجاله الدفاعي يمكن تأطيرها ضمن أدبيات نظرية التبعية، بصيغة محدّثة، كما أن الاستفادة من أداة متقدمة تعني بالضرورة القبول، ولو مؤقتًا، برقابة الطرف المنتج لها، أمريكيًا كان أو صينيًا، بينما رفض هذه التبعية يعني التخلي عن كفاءة تشغيلية قد تكون حاسمة في سياق نزاع غير متماثل، غير أن البدائل الصينية أو الروسية لا تحل هذه المعضلة جوهريًا، بل تستبدل جهة مراقبة بأخرى دون تحرر فعلي من مبدأ التتبع.
وتبرز هنا حالة غزة كنموذج مضاد يوضح حدود هذه التبعية حين تُقطع تمامًا؛ فالحصار المشدد وانعدام البنية التحتية للاتصال المستقر، إضافة إلى السيطرة الإسرائيلية المباشرة على محور رفح بعد ترسيم الخط الأصفر، يجعلان أي استفادة فعلية من أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة أمرًا هامشيًا أصلًا، لا بسبب رقابة الشركات المنتجة، بل بسبب غياب الشرط التقني الأساسي لاستخدامها.
وهذا يقود إلى استنتاج نظري أوسع، حيث إن القدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الصناعات الدفاعية ليست دالة على الرغبة أو حتى على مستوى الرقابة الخارجية فقط، بل على وجود حد أدنى من البنية التحتية والاستقرار التشغيلي، وهو شرط تحدده جغرافيا الحصار والاحتلال قبل أي اعتبار تقني آخر.
الخلاصة:
يشير مسار هذا الملف إلى اتجاه أرجح في المدى المتوسط، حيث ليس استقلالًا تقنيًا كاملًا للفاعلين الدولانيين عن أدوات الذكاء الاصطناعي الغربية، بل نمطًا من الاستخدام المجزأ والمؤقت، واستخلاص معرفة محددة من الأداة المركزية قبل قطع الوصول عنها، مع الاحتفاظ بقاعدة تصنيع محلية موازية كشبكة أمان، وهذا بدوره يفتح نقاشًا أوسع يستحق متابعة تحليلية منفصلة.

