أكثر من سبعة عقود، وفلسطيني الشتات يحمل وطنه على ظهره ويمضي. خرج من فلسطين بعد النكبة، وحمل معه مفتاح بيت لم يعد إليه، وصورة قرية بقيت في الذاكرة، كبر جيل، ثم جاء جيل آخر ولد بعيدًا عن فلسطين، لكنه ورث الحكاية كاملة: الوطن، واللجوء، وحق العودة.
لم يكن الشتات مجرد مسافة تفصل الفلسطيني عن أرضه، بل حياة معلقة وحقوقًا منقوصة، وأجيالًا تكافح كي تعيش بكرامة، ومع ذلك، ظل هناك حق لا ينبغي أن يُمس: أن يكون الفلسطيني شريكًا في قضيته، وأن يكون له صوت في مؤسساته، وأن يختار من يتحدث باسمه.
لكن رحلة المصادرة لم تتوقف عند الأرض، فعلى امتداد سنوات طويلة، جرى تهميش قطاعات واسعة من أبناء الشتات، وضعفت مشاركتهم في صناعة القرار، وبقي كثير منهم بعيدًا عن مؤسسات التمثيل، بالرغم من أنهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني.
وهنا يطرح سؤال صعب: لماذا يغيب الفلسطيني في الشتات عن اهتمام قيادة منظمة التحرير وصانعي القرار فيها حين يتعلق الأمر بحياته وحقوقه ومعاناته، ثم يُستعاد عندما يحين موعد ترتيب التمثيل؟
وإذا كان القرار الوطني يستحضر الشتات طلبًا للشرعية، فلماذا لا يحضر بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بالتعليم والعمل والحياة الكريمة؟ وكيف تحولت مؤسسات يفترض أن تجمع الفلسطينيين إلى أطر تثار حولها أسئلة النفوذ وتوزيع الفرص، بما يعمق شعورا بأن القرار ابتعد عن الناس واقترب من دوائر محدودة؟
اليوم، ومع الحديث عن إعادة تشكيل المجلس الوطني وتمثيل فلسطينيي الخارج، يعود السؤال: من يختار ممثلي الشتات؟
في الكويت والبحرين وقطر، برزت تحركات تتصل بانتخاب ممثلي الجاليات وفق ترتيبات ومجامع انتخابية أثارت اعتراضات وتساؤلات عن معايير تشكيلها، ومدى مشاركة الجاليات في وضع قواعدها، وخلف ذلك سؤال أكبر: من اختار من؟ ومن يملك حق الاختيار؟
إذا كانت الجالية صاحبة الحق في التمثيل، فمن الطبيعي أن تكون شريكة في تحديد قواعده، واختيار الهيئة التي تنتخب، وضمان طريق عادل وشفاف إلى الصندوق.
فالديمقراطية لا تبدأ عند الصندوق، بل قبله؛ عندما تكون القواعد معلنة، والفرص متكافئة، والهيئة الانتخابية ممثلة، ويعرف الفلسطيني كيف يشارك ويترشح ويختار.
أما أن تحدد الآليات من خارج الجالية، ثم تُشكل المجامع وفق معايير غير واضحة، ويُطلب من الفلسطيني قبول مخرجاتها باعتبارها إرادة شعبية، فذلك يفتح الباب أمام انتخابات تمنح الشرعية لتمثيل جرى ترتيبه مسبقًا.
ولا يتعلق الأمر بالكويت أو البحرين أو قطر وحدها، القضية أوسع: هل يكون المجلس الوطني إطارًا جامعًا يعكس إرادة الشعب، أم مساحة يُعاد فيها توزيع التمثيل وفق ترتيبات أحادية؟
فلسطينيو الشتات ليسوا هامشًا، هم أبناء المدن والقرى المهجرة، وأجيال ولدت بعيدًا عنها وما زالت تحفظ أسماءها وتورثها لأبنائها، عاشوا عقودًا في الشتات، وحياة نبتت من بين الحرمان، وربوا أبناءهم على حب وطن لم يروه، لكن لا ينبغي أن يطلب منهم أن يتنازلوا عن حقهم في اختيار من يمثلهم ويحافظ على حقوقهم، فهذا الحق ليس معركة على مقعد، بل هو دفاع عن صلة الفلسطيني بقراره الوطني.
فالشتات لا يحتاج إلى وصاية، والمجلس الوطني لا يحتاج إلى تمثيل مصنوع سلفًا، يحتاج الفلسطيني لأن يقول: هذا صوتي، وهذا من اخترته ليتحدث باسمي.
فالشرعية لا تمنح، والتمثيل لا يفرض، والانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد أن صندوقًا وضع في نهاية الطريق.
من صودرت أرضه مرة وضاعت حقوقه خارجها، لا ينبغي أن يجد من يصادر صوته.

