إخفاء جثامين أسرى غزة امتداد لجريمة تغييب المصير مع استمرار سياسة الإخفاء القسري داخل معسكرات الاحتلال ومصلحة السجون، ولا تتوقف سياسة الإخفاء عند الأحياء؛ إذ يواصل الاحتلال احتجاز جثامين فلسطينيين من قطاع غزة، من بينهم معتقلون ارتقوا داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز، إضافة إلى استمرار احتجاز جثامين فلسطينيين آخرين في ما يُعرف بـ"مقابر الأرقام".
فالاختفاء القسري محظور مطلقًا بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يمكن تبريره حتى أثناء الحروب والصراعات والنزاعات المسلحة، ويُعرّف بأنه "حرمان الشخص من حريته مع رفض الاعتراف باحتجازه أو إخفاء مصيره ومكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون وسلبه من حقه في الحياة وممارسة عليه أساليب الحرب النفسية والفكرية". فمنذ بدء الحرب على غزة، استخدم الاحتلال إجراءات متعددة لتكريس هذه السياسة، بينها احتجاز المدنيين، وقانون «المقاتل غير الشرعي»، والحجز في معتقلات عسكرية، وتقييد وصول المحامين والصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية، فيما يصنّف نظام روما الأساسي الاختفاء القسري، إذا ارتُكب ضمن هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين، بأنه جريمة ضد الإنسانية، بينما يكفل القانون الدولي للضحايا وعائلاتهم الحق في معرفة الحقيقة ومصير ذويهم، وجبر الضرر والتعويض.
ويمثل احتجاز الجثامين ورفض تسليمها للعائلات انتهاكًا لحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، وفي استعادة جثامين أبنائهم ودفنهم بما يحفظ كرامتهم الإنسانية، كما يثير مخاوف جدية بشأن ظروف الوفاة وأسبابها، بينما استمرار الاحتلال في سياسة "الاختفاء القسري" بحق أسرى غزة يؤكد أن مصير المئات ما يزال مجهولًا، وسط حجب المعلومات عمدًا وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم.
📍السياسات الصهيونية الظالمة بحق الشعب الفلسطيني هي سياسات عنصرية متطرفة، هدفها الإبادة والقتل العلني. هذه السياسات لم تكن مفاجئة، بل متوقعة إلى حد ما، لامتداد محاولات متكررة منذ سنوات عديدة وفق مخططات صهيونية خبيثة، مع تصاعد النزعة المتطرفة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية. الاحتلال مارس تلك السياسات لإضفاء شرعية على جرائمه المتواصلة، ويُكرّس جريمةً لم تتوقف عن ممارستها على مدار عقود طويلة، تشمل الاختفاء القسري وعمليات الإعدام خارج إطار القانون، فضلًا عن الإعدام البطيء والمباشر بحقّ الأسرى الفلسطينيين، وأنّ ذلك لم يكن مفاجئًا في ظلّ حالة التوحش غير المسبوقة التي بلغها الاحتلال، والجرائم المرتكبة بحقّ الأسرى في أعقاب حرب الإبادة التي حوّلت السجون والمعسكرات إلى شبكة تعذيب وسياسة ممنهجة بهدف قتل الأسرى والتخلص منهم، للتأكيد على أنّ الاحتلال يمارس فعليًا عمليات الإعدام بحقّهم.
وهناك نحو مئة أسير استُشهدوا في السجون والمعسكرات منذ اندلاع حرب الإبادة، حيث أُعلن عن هوية تسعة وثمانين منهم، فيما لا يزال العشرات من معتقلي غزة رهن الاختفاء القسري. هذه السياسات "امتداد لنهج الحكومة الصهيونية العنصرية، ومحاولة لتشريع القتل الجماعي المنظّم ضد أبناء شعبنا الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال؛ إن هذه السياسات تصعيد إجرامي يثبت أن أجهزة كيان الاحتلال هي أدوات إجرامية تُستخدم للتنكيل بالشعب الفلسطيني، ويمنح الحصانة الكاملة لأفعال المستوطنين. فمنذ متى لم يمارس الاحتلال الإعدام بحق الفلسطيني؟! المسألة هي مسار كامل يتبدّل اسمه لا جوهره، تغيّرت المصطلحات، من "تطهير" إلى "أمن" إلى "مكافحة إرهاب" إلى "تحييد".
في الجوهر شيء واحد لم يتغيّر؛ حقّ يصادره الاحتلال لنفسه، واحتكار قرار الحياة لليهودي فقط! أما الفلسطيني فيصارع الموت والتهجير والاضطهاد الصهيوني، فالقتل أصبح شرعية عنصرية بلا محاكمة، ثم البحث لاحقًا عن مبرر؛ أو التبرير بوسائل الكذب والتضليل والافتراء للسيطرة على الحق الفلسطيني عنوةً.
📍أخيرًا، قُدّمت دراسة تحليلية تستند إلى عينة من حالات الاختفاء القسري بغزة، تزامنًا مع اليوم الدولي لضحاياه، وتشير التقديرات إلى تعرض نحو ثلاثة آلاف شخص للاختفاء القسري في قطاع غزة، فيما استندت الدراسة إلى عينة خاصة تعطي مؤشرًا عامًا على أنماط الاختفاء داخل غزة، وقد شملت العينة الموثقة بنسبة تزيد على 95% من إجمالي حالات الذكور، كما وثقت الدراسة نسبة اختفاء الأطفال والمسنين بمختلف مناطق القطاع، أثناء الاقتحامات المباشرة للمنازل وحصار الأحياء، ومحاولات تفقد المنازل أو العودة إليها لجلب المستلزمات، وخلال النزوح أو المرور عبر الحواجز العسكرية، وفقدان نحو 350 شخصًا ممن عبروا السياج الفاصل في السابع من أكتوبر، ولم يُعلم مصيرهم منذ ذلك الحين. كما ارتبط تأكيد العديد من حالات الاختفاء القسري بمحاولات المدنيين تأمين الغذاء أو انتظار شاحنات المساعدات التي أجبرها الجوع وانعدام الأمن الغذائي على المخاطرة بحياتهم في مناطق عسكرية خطرة، وهذا ما أكده شهود عيان وإفادات عائلية، رؤية الضحايا المدنيين لحظة اعتقالهم قبل تغييبهم قسريًا، وتزيد إعاقة عمل الصليب الأحمر ومنعه من زيارة المحتجزين من معاناة عائلات المفقودين.
وبينما ترجح التقديرات المحلية من الجهات المختصة وجود نحو 4000 مفقود، ما زالوا عالقين تحت أنقاض المباني المدمرة، بعد أن استطاعت الجهات المعنية الوصول إلى رُفات عدد كبير من الشهداء العالقين والمفقودين تحت الأنقاض والركام والدمار.

