فلسطين أون لاين

ثقافة الشكوى أم ثقافة الفعل؟

في زمن الأزمات تصبح الكلمات جزءًا من المعركة.

نشتكي لأن الألم حقيقي،
ونتحدث لأن ما يحدث أكبر من أن يُحتمل بصمت،
ونبحث عمَّن يسمعنا لأن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الاعتراف بمعاناته.

لكنَّ هناك سؤالًا مهمًا يفرض نفسه:

👈 متى تكون الشكوى وسيلة للتعبير والتفريغ؟
👈 ومتى تتحول إلى ثقافة تُبقي الإنسان أسيرًا للعجز؟

🍀 الشكوى ليست دائمًا ضعفًا

من الخطأ أن ننظر إلى الشكوى باعتبارها سلوكًا سلبيًا دائمًا.

فالإنسان الذي يتألم يحتاج أحيانًا إلى أن يقول:

"أنا متعب."
"هذا الأمر يؤلمني."
"لم أعد قادرًا كما كنت."

وهذا التعبير له قيمة نفسية؛ لأنه يمنع تراكم الألم في الداخل.

فالاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى في التعامل معها.

المشكلة ليست في أن نشكو..

بل في أن تصبح الشكوى هي المحطة الأخيرة.

🍀 حين تتحول الشكوى إلى هوية

الخطر يبدأ عندما ينتقل الإنسان من:

"أنا أواجه مشكلة"

إلى:

"أنا لا أستطيع فعل شيء."

هنا لا تعود الشكوى مجرد تعبير عن الألم، بل تصبح طريقة لرؤية العالم.

يرى الإنسان كل الأبواب مغلقة،
وكل الحلول مستحيلة،
وكل المسؤولية ملقاة على الآخرين.

وهذا ما يسميه علماء النفس أحيانًا الشعور بالعجز المتعلم؛ حيث يتعلم الإنسان، بعد تكرار التجارب الصعبة، أن محاولاته لن تغير شيئًا.

🍀 في الحرب: لماذا تزداد الشكوى؟

في بيئات مثل غزة، لا يمكن فصل الشكوى عن الواقع.

فالناس لا يشتكون من فراغ.

هناك خسائر حقيقية،
وألم حقيقي،
وضغوط تتجاوز قدرة الإنسان العادية.

لكن الخطر النفسي يكمن في أن يصبح الإنسان مستهلكًا بالكامل في وصف ما حدث، دون الانتقال إلى سؤال آخر:

ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟

حتى لو كان الفعل صغيرًا.

🍀 ثقافة الفعل لا تعني إنكار الألم

هناك من يخطئ في فهم الفعل، فيظنه تجاهلًا للمشاعر أو دعوة للصمت.

لكن ثقافة الفعل لا تقول:

"لا تتألم."

بل تقول:

"اعترف بألمك، ثم ابحث عن الخطوة التالية."

فالشخص الذي يبكي فقده ثم يساعد غيره،
والذي يخاف ثم يقوم بواجبه،
والذي يشعر بالعجز ثم يحاول بما يستطيع..

هذا هو الفعل الحقيقي.

🍀 الأفعال الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا

في الأزمات الكبرى، قد يبحث الناس عن أفعال ضخمة تغير الواقع كله.

لكن غالبًا تبدأ القدرة على الصمود من أفعال صغيرة:

رعاية طفل.
مساعدة جار.
تعليم طالب.
تنظيم الوقت.
الحفاظ على علاقة إنسانية.
نقل خبرة أو معرفة.

هذه الأفعال قد لا توقف الحرب، لكنها تمنع الحرب من إيقاف الإنسان داخليًا.

🍀 من سؤال: لماذا حدث هذا؟ إلى سؤال: ماذا بعد؟

ليس المطلوب أن نتوقف عن فهم الأسباب أو مساءلة المسؤولين.

فالفهم ضروري.

لكن الإنسان إذا بقي أسير سؤال "لماذا حدث؟" فقط، فقد يغرق في الماضي.

أما سؤال "ماذا نفعل الآن؟" فيعيد إليه جزءًا من قدرته على التأثير.

🍀 المجتمعات لا تنهض بالإنكار ولا بالشكوى وحدها

كل مجتمع يمر بأزمات يحتاج إلى توازن:

مساحة للاعتراف بالألم،
ومساحة لصناعة الحلول.

فالشكوى بلا فعل تستنزف الطاقة،
والفعل بلا اعتراف بالألم قد يؤدي إلى الإنهاك.

والحكمة أن نجمع بين الاثنين:

أن نرى الجرح..
لكن ألا نسمح له أن يمنعنا من الحركة.

🍀 الخاتمة:

في الحروب، من الطبيعي أن نشكو، لأن الألم أكبر من الصمت.

لكن السؤال الذي يحدد مستقبلنا ليس:

كم مرة تحدثنا عن حجم المعاناة؟

بل:

كم مرة حوّلنا هذه المعاناة إلى خطوة، ولو صغيرة، نحو الأفضل؟

فالأمم لا تُبنى لأنها لم تتألم، بل لأنها تعلمت كيف تحول الألم من قيدٍ يوقفها إلى طاقة تدفعها إلى الأمام.

الشكوى تُسمع صوت الجرح، أما الفعل فيبدأ رحلة الشفاء.

المصدر / فلسطين أون لاين