براءة الأطفال، واللعب، والفرح، والأمل، أشياء يفترض أن تكون جزءاً من الحياة اليومية للصغار، لكنها في غزة باتت أحلاماً مؤجلة، بعدما فرضت حرب الإبادة واقعاً قاسياً تختلط فيه أصوات القصف بصرخات الفقد، وتتحول البيوت إلى ركام، وتُمحى عائلات كاملة من السجلات المدنية.
وسط هذا المشهد الموجع، تتكرر قصص أطفال وشبان كانوا يحلمون بالمستقبل، ويجدون في الرياضة مساحة للفرح والحياة، قبل أن تنتزع الحرب منهم كل شيء.
ومن بين هذه القصص حكاية ثلاث شقيقات، جومان وبيسان ويمان حسنين، جمعتهن الأسرة والبيت والحنان، كما جمعتهن رياضة الكاراتيه التي مارسنها بشغف، وحلمن من خلالها بتحقيق إنجازات وبطولات ترفع اسمهن واسم عائلتهن.
كانت الشقيقات الثلاث من أبرز اللاعبات في مركز تدريب نادي المشتل الرياضي، حيث خضعن لتدريبات منتظمة، وشاركن في بطولات على مستوى قطاع غزة، ونجحن في تحقيق مراكز متقدمة، ما جعلهن محط إعجاب مدربيهن وعائلتهن التي وفرت لهن الرعاية والدعم، أملاً في تطوير موهبتهن والوصول بها إلى مستويات أكبر، لكن ذلك المستقبل لم يُكتب لهن.
مع بداية الحرب على غزة عام 2023، تعرض منزل العائلة في حي الشجاعية شرق مدينة غزة للقصف، لترتقي جومان وبيسان ويمان، إلى جانب والديهن، في مجزرة أنهت حياة أسرة كاملة، وأطفأت ضحكات ثلاث فتيات كان يفترض أن يكن اليوم في الملاعب والصالات الرياضية، يواصلن التدريب ويحصدن البطولات.
حسن الراعي، نائب رئيس اتحاد الكاراتيه والمدرب الذي أشرف على تدريب الشقيقات الثلاث، يستحضر ذكرياتهن بألم، مؤكداً أنهن كن لاعبات مميزات، يمتلكن الحماس والرغبة في التطور، وكان حضورهن في التدريبات يحمل الكثير من النشاط والأمل.
ويقول الراعي: "رسالتي إلى العالم الذي يراقب ما يحدث في غزة من جرائم ضد الإنسانية، أتمنى أن تكون هناك مدينة بين الأرض والسماء لنحافظ فيها على أطفالنا من الموت. أطفالنا مكانهم الطبيعي المدارس وممارسة الرياضة وتعلم الثقافة والفن، وليس ثلاجات الموتى أو تحت الركام أو في المقابر الجماعية".
ويضيف: "كلما دخلت النادي أشعر أنني أبحث عنهن بين الوجوه. كلما بدأت حصة تدريب جديدة، ووقفت أمام الأطفال والفتيات والشباب، تعود بي الذاكرة إلى أبنائي وبناتي الذين كانوا هنا، تدربوا معي، وضحكوا معي، وتعبوا معي، وحلموا معي بالبطولات".
ولا يزال غياب الشقيقات حاضراً في تفاصيل المكان، فكل تدريب جديد يعيد إلى المدرب ذكريات لاعبات لم يعد بإمكانهن الوقوف على البساط، أو ارتداء زي التدريب، أو الاحتفال بانتصار جديد.
ويتابع الراعي: "اليوم، وأنا أدرب جيلاً جديداً، لا أستطيع أن أنساكم. أروي لهم قصصكم، وأحدثهم عن أخلاقكم، وعن اجتهادكم، وعن مواقفكم، وعن أحلامكم التي لم تكتمل. أحدثهم عنكم لأنني أريد أن يتعلموا أن الإنسان لا يُقاس فقط بما حققه من بطولات، وإنما بما تركه من أثر في قلوب الآخرين".
قصة جومان وبيسان ويمان ليست سوى واحدة من آلاف قصص الفقد التي خلفتها الحرب في غزة، حيث امتدت الخسائر إلى مختلف القطاعات، وكان الرياضيون من بين ضحاياها.
وبحسب الأرقام الواردة في القطاع الرياضي الفلسطيني، ارتقى 1018 رياضياً خلال الحرب المتواصلة منذ قرابة ثلاثة أعوام، في حصيلة تعكس حجم الخسارة التي أصابت الرياضة الفلسطينية، بعدما فقدت ملاعبها ومنشآتها ولاعبيها ومدربيها وأطفالها.
رحلت ثلاث شقيقات كان يجمعهن حلم واحد، لكن ذكراهن بقيت حاضرة في ذاكرة مدربهن وزملائهن، وبين جدران النادي الذي شهد تدريباتهن وضحكاتهن وأحلامهن.
ويبقى السؤال الأثقل: من يحاسب من قتل أطفال غزة، ومن يضع حداً لهذه المأساة، ومن يعيد للرياضة والأطفال حقهم الطبيعي في الحياة، بعيداً عن الركام والموت والخوف؟