☰
✕

قائمة الموقع

قنابل الاحتلال تقضي على أحلام الشهيد إبراهيم قصيعة

2026-09-28T14:06:00+03:00
من بين ركام قطاع غزة لا تزال حكايات الألم تتوالى وتبقى قصص الرياضيين الذين غابوا عن الملاعب شاهدة على حجم الخسارة التي لحقت بالرياضة الفلسطينية
فلسطين أون لاين

لم تترك آلة الحرب الإسرائيلية مجالا لأحلام شباب واعدين، كانت أقصى أمنياتهم تحقيق الإنجازات، واعتلاء منصات التتويج، ورفع اسم فلسطين في البطولات، ونشر المحبة والتفاؤل في كل مكان يحلون فيه.

شباب حملوا أحلامهم على أكتافهم، وتحملوا المسؤوليات والأعباء، ولم يتوقفوا أمام التحديات، لكن الحرب كانت أقسى من كل الأحلام.

من بين ركام قطاع غزة، لا تزال حكايات الألم تتوالى، وتبقى قصص الرياضيين الذين غابوا عن الملاعب شاهدة على حجم الخسارة التي لحقت بالرياضة الفلسطينية.

ومن بين هذه الحكايات المؤلمة، تبرز قصة الشهيد إبراهيم عبد الواحد قصيعة، نجم كرة الطائرة الفلسطينية، الذي جمع بين الموهبة الرياضية والصفات الإنسانية النبيلة، قبل أن تنهي الحرب مسيرته وتطفئ أحلامه في لحظة قاسية.

كان إبراهيم شابا طموحا، بدأ في بناء موهبته الرياضية خطوة تلو الأخرى، حتى وصل إلى مرحلة متقدمة من الجاهزية واللياقة البدنية، جعلت منه أحد اللاعبين البارزين في كرة الطائرة الفلسطينية.

ومع كل بطولة ومباراة وتدريب، كان يقترب أكثر من حلمه في تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان يستعد للتحليق بعيدا في سماء الرياضة الفلسطينية.

لكن حرب الإبادة التي عصفت بقطاع غزة منذ عام 2023، وتركت خلفها دمارا واسعا وخسائر بشرية ورياضية كبيرة، لم تستثنِ الرياضيين، إذ بلغ عدد الرياضيين الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال الحرب نحو 1019 رياضيا، كان إبراهيم قصيعة واحدا منهم.

من صالات الصداقة إلى المنتخب

كانت ملاعب وصالات غزة قبل الحرب تمتلئ بالجماهير التي تهتف لأنديتها ولاعبيها، وكانت كرة الطائرة واحدة من المساحات التي تجمع الفلسطينيين حول المنافسة والفرح.

وفي تلك الأجواء، لمع اسم إبراهيم قصيعة مع نادي الصداقة، حيث ترك بصمته لاعبا ملتزما ومجتهدا، وأسهم في تحقيق العديد من الإنجازات والبطولات المحلية.

لم يكن إبراهيم مجرد لاعب يؤدي دوره داخل الملعب، بل كان عنصرا أساسيا في فريقه، بفضل إصراره على تطوير مستواه الفني والبدني، وحرصه الدائم على الاستفادة من التدريبات وتنفيذ التعليمات الفنية.

ومع مرور الوقت، اتسعت خطواته نحو المنتخب الوطني الفلسطيني للكرة الطائرة، ثم منتخب الكرة الطائرة الشاطئية، ليصبح ارتداء قميص فلسطين محطة مهمة في مسيرته الرياضية.

كان يحمل القميص رقم 2، ونجح في تمثيل فلسطين في المحافل الخارجية، وشارك مع المنتخب في بطولة غرب آسيا للكرة الطائرة الشاطئية في قطر، حيث حصل على الميدالية البرونزية في نسختي عامي 2021 و2023، ليؤكد حضوره لاعبا قادرا على المنافسة ورفع اسم بلاده في البطولات الإقليمية.

وفي الوقت الذي كان فيه إبراهيم يخطط لمواصلة مسيرته الرياضية، كان يعمل أيضا على بناء مستقبله الأكاديمي، فالتحق بتخصص التربية الرياضية في جامعة الأقصى بغزة، وحصل على درجة البكالوريوس، في مسار جمع فيه بين دراسته وشغفه بالرياضة.

لاعب.. ورب أسرة وسند لعائلته

خلف صورة اللاعب الذي يظهر داخل الملعب، كانت هناك حياة أخرى مليئة بالمسؤوليات. إبراهيم، الذي بلغ من العمر 31 عاما، لم يكن يعيش لنفسه فقط، بل كان يتحمل أعباء أسرة كبيرة، ويؤدي دورا أساسيا في رعايتها.

كان المعيل الأساسي لأطفاله الأربعة، إلى جانب والده ووالدته وأشقائه، ولم تتوقف مسؤولياته عند أسرته المباشرة، إذ احتضن أبناء شقيقه الشهيد، وكان لهم بمثابة الأب والسند، في واحدة من أكثر صور التكافل العائلي والإنساني حضورا في حياته.

ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشها قطاع غزة، والحصار والمعاناة التي أثقلت كاهل العائلات، كان إبراهيم يحاول الموازنة بين مسؤولياته الأسرية وطموحه الرياضي، ولم يكن يسمح للأعباء اليومية بأن تبعده عن التدريبات، وكان يحضر إلى الملعب بروح اللاعب الذي يريد دائما أن يكون أفضل.

غارة أنهت الحلم

في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، توقفت رحلة إبراهيم قصيعة بطريقة مأساوية. فقد ارتقى إثر قصف غاشم استهدف مخيم جباليا، وتحديدا منطقة "الترنس"، إحدى المناطق الحيوية والمكتظة في المخيم.

كانت الغارة جزءا من مشاهد الحرب القاسية التي عاشها سكان قطاع غزة، وأسفرت عن ارتقاء عشرات الشهداء، بينهم إبراهيم ورفيق دربه وصديق عمره حسن زعيتر، الذي كان بدوره لاعبا في المنتخب الوطني الفلسطيني للكرة الطائرة والكرة الشاطئية.

برحيلهما، خسرت الرياضة الفلسطينية لاعبين كانا يمثلان جيلا يملك الطموح والرغبة في مواصلة المسيرة ورفع اسم فلسطين في الملاعب.

شهادة من عرفه

عبد الرحمن طافش، النجم السابق في كرة الطائرة وعضو الجهاز التدريبي لنادي الصداقة والمنتخب الوطني، عبّر عن ألمه الكبير لفقدان إبراهيم قصيعة وحسن زعيتر، مؤكدا أن رحيلهما شكّل خسارة كبيرة لكرة الطائرة والرياضة الفلسطينية.

وقال طافش إن إبراهيم كان من أفضل اللاعبين وأكثرهم التزاما، مشيرا إلى أنه كان لا يعرف المستحيل، ويحرص باستمرار على تطوير قدراته ولياقته البدنية والفنية.

وأضاف أن أكثر ما كان يميز إبراهيم حرصه الكبير على التدريبات، والتزامه بتنفيذ التعليمات الفنية داخل الملعب، إلى جانب شخصيته التي كانت تضفي أجواء من المرح بين زملائه، وتساعد على رفع الروح المعنوية وزيادة الدافعية قبل المباريات.

تلك الصفات جعلت إبراهيم محبوبا بين زملائه ومنافسيه، فلم يكن التميز بالنسبة إليه مرتبطا بالنتائج والألقاب فقط، بل كان مرتبطا أيضا بعلاقته بالآخرين وروحه الرياضية وتواضعه وحضوره الإنساني.

ذكرى لا تغيب

رحل إبراهيم قصيعة عن الملاعب، لكنه ترك خلفه سيرة رياضية وإنسانية لا تختصرها أرقام البطولات ولا سنوات اللعب. ترك أربعة أطفال وأسرة كبيرة، وترك زملاء ومدربين وأصدقاء يحملون ذكريات لاعب كان يرى في الرياضة طريقا للحياة والأمل.

كان إبراهيم يحلم بمزيد من المباريات والانتصارات، وبمواصلة ارتداء قميص فلسطين، لكن الحرب وضعت حدا لمسيرته قبل أن يحقق كل ما كان يطمح إليه.

وبين ملاعب غزة التي تحولت إلى أماكن للدمار، وصالات كانت يوما تعج بالجماهير والتصفيق، تبقى قصة إبراهيم قصيعة واحدة من القصص التي تروي كيف خسر القطاع أجيالا من الرياضيين والشباب، وكيف امتدت آثار الحرب إلى أحلام كانت تبحث فقط عن فرصة للعيش والنجاح.

رحل إبراهيم، لكن ذكراه بقيت في قلوب أبنائه وعائلته وزملائه، وبقي اسمه حاضرا في سجلات الرياضة الفلسطينية، لاعبا حمل القميص الوطني، وحقق الميداليات، وخدم ناديه، وتحمل مسؤولية أسرته، ثم غاب عن الحياة تاركا خلفه حكاية شاب فلسطيني لم تتوقف أحلامه إلا عندما توقفت حياته.

اخبار ذات صلة