لم تتوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، لكنها تتغير في أدواتها وأشكالها. فمع تراجع مشهد الحرب العسكرية الواسعة، تبدو إسرائيل أكثر اعتمادًا على العمليات الأمنية والاستخبارية والاغتيالات ومحاولات الاختراق، ضمن مسعى واضح لإبقاء القطاع في حالة استنزاف، ومنع استعادة مؤسساته لقدرتها على العمل والاستقرار.
من هذه الزاوية ينبغي قراءة العملية الأمنية في غرب غزة ، بعيدًا عن حصرها في كونها حادثة محدودة أو مواجهة مع مجموعات محلية. نحن أمام عملية تحمل سمات أمنية وعسكرية إسرائيلية واضحة، نُفذت في بيئة شديدة التعقيد، وفي واقع أمني استثنائي تعيشه غزة منذ سنوات الحرب.
لقد تعرضت الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية في القطاع لاستهداف إسرائيلي منهجي ومباشر، شمل اغتيال عدد كبير من القيادات والكوادر والعناصر، وتدمير المقار والمراكز الشرطية والأمنية، وإضعاف الإمكانات اللوجستية، ومحاولة تعطيل دور هذه الأجهزة في حفظ النظام الداخلي ومواجهة الفوضى.
وتزداد دلالة العملية حين يكون المستهدفون أفرادًا معروفين يعملون بصورة معلنة ضمن أجهزة وزارة الداخلية، وليسوا مجموعات مجهولة أو أفرادًا يتحركون خارج الإطار المؤسساتي. وهذا يعني أن الاستهداف يتجاوز الأشخاص أنفسهم إلى محاولة ضرب البنية الأمنية التي تسعى إلى مواصلة عملها بالرغم من الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب.
إسرائيل تدرك أن وجود أجهزة أمنية قادرة على العمل يعني منع الفراغ والفوضى، وهما من أهم البيئات التي يمكن للاحتلال استثمارها لتحقيق أهدافه داخل غزة. ولذلك فإن استهداف هذه الأجهزة يمثل جزءًا من محاولة منع القطاع من إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية، وإبقاء مؤسساته في حالة ضعف واستنزاف دائمين.
ولا يغير استخدام مجموعات محلية أو أدوات داخلية من طبيعة العملية. فالهوية الحقيقية لأي عملية لا تحدد فقط بمن ينفذها في الميدان، وإنما بمن يخطط لها، ويوفر المعلومات والغطاء، ويملك المصلحة السياسية والأمنية في نتائجها. ومن هنا، فإن العمل عبر الوكلاء يمثل امتدادًا لنهج إسرائيلي قديم يقوم على الاختراق وصناعة الفوضى وإدارة الصراع من الداخل.
إلى جانب البعد الأمني، ثمة بعد سياسي وانتخابي لا يمكن تجاهله. نتنياهو يحتاج، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، إلى إنتاج صورة تقول للجمهور الإسرائيلي إن الحرب على غزة ما تزال تحقق نتائج، وإنه قادر على الوصول إلى خصوم إسرائيل ومنعهم من إعادة بناء قدراتهم.
ولهذا فإن *أي عملية أمنية قابلة للتسويق بوصفها «إنجازًا نوعيًا» يمكن أن تتحول سريعًا إلى مادة انتخابية*، خاصة مع الجدل الإسرائيلي المستمر بشأن نتائج الحرب ومسؤولية القيادة السياسية عن إخفاقاتها.
*ما يجري اليوم يؤكد أن المواجهة لم تنتهِ، بل انتقلت إلى مرحلة مختلفة: حرب أمنية أقل ضجيجًا، لكنها ربما تكون أكثر تعقيدًا*، تعتمد على الاغتيال والاختراق والاستخبارات والوكلاء، بهدف واحد: إبقاء غزة ضعيفة ومضطربة وغير قادرة على استعادة توازنها الداخلي.