قائمة الموقع

الشرطي مؤمن الخولي.. التزم بواجبه الوطني حتى الشهادة

2026-09-08T11:26:00+03:00
الشهيد "مؤمن الخولي" نموذج للالتزام والوفاء حتى الرمق الأخير
فلسطين أون لاين

"يما إذا نقص عليكِ شيء أنا موجود، خلي عينك على ياسمين.."، كلمات قالها الشرطي مؤمن الخولي لأمه في صباح 29 مايو/ أيار 2025، قبل أن يُغادر إلى عمله، وكأنه كان يترك وصيته الأخيرة، فلم يكن يعلم أنها المرة الأخيرة التي تراه فيها عائلته.

تجلس ياسمين المشهراوي أمام تفاصيل حياة توقفت فجأة، تحاول أن تصف زوجها مؤمن الخولي، الشرطي الذي استشهد وهو على رأس عمله، فلا تجد سوى كلمات بسيطة: "كان حنونا وطيبا، وقلبه يتسع للجميع".

كان مؤمن، البالغ من العمر (24 عامًا)، زوجًا لياسمين منذ ست سنوات ونصف السنة، وأبًا لابنتين: ميرا، وزينة. وفي بيتهم الصغير لم يكن يتعامل معها بمنطق الرجل الذي له الكلمة الأخيرة، بل كان يسمع رأيها ويشاركها تفاصيل حياتهما، ويحمل عنها كثيرًا من المسؤوليات.

تقول ياسمين لصحيفة "فلسطين": "طيلة سنوات زواجي منه، ما نقص عليّ شيء، حياتنا كانت حلوة، وكان وجود مؤمن فيها هو الأمان بالنسبة لي وللبنات".

خلال الحرب، نزحت ياسمين إلى إحدى المدارس المكتظة بالنازحين، لم تحتمل البقاء وسط الأعداد الكبيرة، لكنها انتظرت وقف إطلاق النار الذي استمر نحو شهرين مطلع 2025، وحين أخبرت زوجها بأنها لم تعد قادرة على الاحتمال، وعدها بأن يجد لها مكانًا أفضل.

تتذكر كلماته التي قالها: "بكرة بيكون عندك شقة". "وبالفعل، أوفى بوعده، وكان دائمًا يحاول أن يوفر لنا حياة أفضل رغم كل الظروف"، وفق قولها.

وكان لمؤمن وجهان في نظر زوجته؛ رجل قوي وشجاع في عمله، وزوج وأب شديد الحنان داخل البيت. وتتذكر ياسمين موقفًا جمعها بأحد مسؤولي زوجها، الذي قال لها عن مؤمن: "إننا نخاف عليه، بيجيب الفريسة من فمِ الأسد".

لكن تلك القوة، كما تقول، لم تكن تمتد إلى بيته بالطريقة ذاتها، "في العمل كان قويًا وشجاعًا، أما معنا فكان مؤمن الأب والزوج الذي يهتم ببناته ويخاف علينا من كل شيء".

وكانت طبيعة عمله تفرض عليه الدوام لفترات طويلة؛ أحيانًا تمتد 24 ساعة، أو 12 ساعة، وفي أوقات أخرى يبقى لعدة أيام. ومع ذلك، لم يكن يشكو، كان يرى عمله مسؤولية تجاه الناس، ويذهب إليه رغم الخوف الذي كانت تحمله زوجته في كل مرة يغادر فيها.

واستشهد مؤمن في 29 مايو/ أيار 2025. تتوقف ياسمين قليلًا عند هذا التاريخ، ثم تستعيد الساعات الأخيرة، في ذلك اليوم كانت مريضة، وكان مؤمن يريد الذهاب إلى السوق، لكنه رفض أن يتركها وحدها، أصر على إيصالها إلى بيت أهلها أولاً.

وقبل أن يُغادر، سلَّم عليها وعلى بناته وعلى والدته، ثم قال لأمه: "يما إذا نقص عليكِ شيء أنا موجود، خلي عينك على ياسمين" وبعدها التفت إلى طفلتيه: "ديروا بالكم على ماما، إنتوا حبايب قلبي".

قاطعته ياسمين مازحة: "شو بتودع؟ بكفي هالحركات"، فأجابها بجملة بقيت عالقة في ذاكرتها: "ما بتعرفي شو بده يصير".

وبعد وقت قصير، كانت ياسمين في منزل أهلها تشكو لوالدتها آلامها التي منعتها من النوم، جاء شقيقها الصغير وقال لها: "مؤمن متصاوب".

لم تصدقه، ظنت أنه يتحدث عن صديق لزوجها يحمل الاسم نفسه، لكنه عاد ليؤكد الخبر، وعندما نظرت إلى عينيه ورأت الدموع تتجمع فيهما، أدركت أن الحديث عن زوجها.

تتابع حديثها: "سألت أخوي: مؤمن جوزي ولا صاحبه؟ قبل ما يجاوبني، حسيت بوجع في قلبي وكأنني عرفت الإجابة".

وكان مؤمن قد أصيب ثلاث مرات خلال الحرب، وفي إصابته السابقة، عاتبها لأنها لم تزره في المستشفى بسبب وجود زملاء العمل وأصدقائه، وقال لها مازحًا: لو بتحبيني كان بتيجي تزوريني وتتطمني عليّ".

هذه المرة، خرجت ياسمين مسرعة تبحث عنه، وفي الطريق التقت بوالدته، التي كانت تبكي فقالت لها: "ما تفاولي عليه، عِدّه رجع"، احتضنت الأم ياسمين وقالت لها: "هذا حبيبي".

وعند مستشفى الهلال الإماراتي في منطقة السرايا، كان والدها في انتظارها، احتضنها وقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

تكمل: "في تلك اللحظة شعرت أنني أصبحت وحيدة، وأن شيئًا أساسيًا في حياتي انطفأ فجأة".

وقد حاول شقيق مؤمن أن يمنعها من رؤية جثمانه، خوفًا من أن تبقى صورته الأخيرة في ذاكرتها مختلفة عن صورته التي تحبها، لكنها رفضت: "قلت له: كيف ما تكون هيئته أو شكله، سيكون حلوًا وجميلًا، فقد كانت إصابته في فمه".

وتقول: إنها "لا تعرف من أين جاءها ذلك الثبات عندما ودعته. ربنا ثبتني وأنا بودعه. بذل مؤمن كل جهده في عمله، واستشهد وهو على رأس عمله".

وكان مؤمن بالنسبة لياسمين أكثر من زوج؛ كان صديقها وصندوق أسرارها، كان يحدثها عن عمله، ويحزن أمامها لفقدان أصدقائه وزملائه، وكانت تحاول أحيانًا إقناعه بالبقاء وعدم الذهاب إلى العمل خوفًا عليه.

كان يجيبها: "أنا سأستشهد يومًا ما"، فترد عليه: "ولمين تسيب بناتك؟ أنا مش قد المسؤولية"، وكان يقول لها: "ربنا لن ينساكم".

لكن رحيله ترك طفلتيْن لا تفهمان تمامًا معنى الغياب. في الأيام الأولى لاستشهاده، كانت ميرا تجلس إلى جوار والدتها ياسمين، تحاول أن تخفف عنها، وتقول لها: "ماما، بابا بيطلع علينا من السما، شايفنا.. خلص ما تعيطي".

ومع مرور الوقت، لم تستوعب الصغيرة أن أباها لن يعود، من كثرة سؤالها عنه، اصطحبتها والدتها إلى الشقة التي كان والدها قد استأجرها، وصلت ميرا وهي تبحث عنه، كأنها تتوقع أن تجده في مكانه.

وعندما تزور المقبرة، تقف بجوار قبره وتحدثه كما لو أنه يسمعها: "بابا أنا هيني جيت، اشتقتلك.. ماما بتضل تعيط عليك بالليل، وزينة بتغلب ماما".

وفي إحدى المرات، استيقظت ميرا من نومها، وذهبت إلى جدها وسألته سؤالًا تختصر فيه براءة طفلة وثقل الفقد: "سيدو، بنفع انت تموت عشان بابا يرجع؟"

منذ رحيل مؤمن، تحاول ياسمين أن تحمل ما تبقى من البيت وحدها، لكنها تقول إن الصلاة وقراءة القرآن هما ما يمنحانها القدرة على الاستمرار.

وتختصر علاقتها بزوجها الراحل بجملة تحمل الفخر والحزن معًا: "فخورة إني زوجة الشهيد مؤمن الخولي. فخر إليَّ ولعائلته، فقد استشهد وهو يؤدي واجبه الوطني".

اخبار ذات صلة