قائمة الموقع

الشرطي وليد الجعل عشق القراءة ولم يمهله الموت احتضان ابنه

2026-09-04T13:23:00+03:00
الشهيد وليد حامد الجعل
فلسطين أون لاين

لم يكن الشهيد وليد حامد الجعل، ينتظر نهاية الحرب حتى يستأنف حياته. وتحت القصف والنزوح المستمر ظل يبحث عن عمل يؤديه وكتاب يقرأه وكأنه كان يتمسك بما تبقى له من تفاصيل الحياة في مواجهة الموت الذي كان يحيط به من كل جانب.

كان وليد، وفق شقيقه وجيه، عاشقًا للقراءة وصاحب مكتبة كبيرة في منزله، ولم تكن الكتب بالنسبة له مجرد أوراق بل كانت رفيقًا دائمًا حمله معه أينما حلّ، وحتى عندما اضطر إلى النزوح، لم يكتفِ بحمل ملابسه وبعض الطعام، بل حمل قرابة كيسين من الكتب، يزن كل منهما نحو 25 كيلوغرامًا، لترافقه مكتبته الصغيرة في رحلة النزوح القاسية.

وقال وجيه لصحيفة "فلسطين" وهو شقيق شهيدين: إن شقيقه وليد ارتقى في مجزرة إسرائيلية ارتكبها جيش الاحتلال في مدرسة "صفد" بحي الزيتون جنوبي مدينة غزة، في الأول من سبتمبر/ أيلول 2024، بعدما لجأ إليها نازحون بحثًا عن مكان آمن.

وكان وليد، والقول لشقيقه، في ذلك اليوم متوجهًا إلى المدرسة لزيارة رفاقه، قبل أن يستهدف الاحتلال المكان، ما أدى إلى ارتكاب مجزرة أوقعت شهداء وجرحى بين النازحين الفارين من الموت.

تفاصيل المجزرة

ويستعيد وجيه، تفاصيل ذلك اليوم قائلًا: إن العائلة كانت بالقرب من منزلها المدمر في حي الصبرة بمدينة غزة، عندما أبلغهم أحد الجيران بوقوع مجزرة في مدرسة صفد، حيث كان وليد قد توجه لزيارة رفاقه.

ويضيف وقد بدا حزينًا: "توجهنا بسرعة إلى المكان فوجدنا الغبار يملأ المنطقة وكانت الساعة تشير بعقاربها إلى الثانية بعد الظهر".

ويكمل: حاولت الوصول إلى المدرسة لكن رجال الدفاع المدني منعوني بعدما أبلغهم الاحتلال بأنه سيستهدف المكان مرة أخرى، وبعد نحو ثلث ساعة استهدف المكان مجددًا بصواريخ إسرائيلية مدمرة ليتصاعد الغبار من المكان وتزداد صعوبة الوصول إلى العالقين تحت الأنقاض.

ولفت إلى أنه وعددًا من أبناء العائلة حاولوا الوصول إلى جثامين الشهداء لانتشالها، إلى جانب طواقم الدفاع المدني باستخدام معدات بدائية من مطارق ثقيلة وأدوات بسيطة وسط ظروف بالغة الخطورة، قبل أن يتمكنوا بعد يومين من انتشال جثمان وليد وعدد من رفاقه والنازحين الذين كانوا داخل المدرسة.

اندلاع الحرب

كان وليد، بحسب شقيقه، يعمل في جهاز الشرطة البحرية، قبل أن ينتقل إلى كلية الرباط، حيث عمل لمدة عامين عقب حصوله على درجة الماجستير في اللغة العربية، إذ كان يطمح لمواصلة دراسته الأكاديمية.

ومع اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يقبل وليد فكرة البقاء في المنزل وانتظار ما قد تحمله الأيام، وقرر العودة إلى العمل وخدمة الناس رغم القصف والخطر.

ويضيف شقيقه، أن وليد، طلب في بداية الحرب من المسؤولين والمعنيين بتمكينه من أداء عمله، وظل يتنقل بينهم بحثًا عن فرصة لممارسة دوره، خصوصًا أنه يحمل رتبة رائد، ومؤهلًا علميًا بدرجة الماجستير.

ولم يكن العمل بالنسبة إليه مجرد وظيفة، كما يقول شقيقه، بل شعور بالمسؤولية، ولذلك أصر على ألا يبقى متفرجًا على الحرب من داخل منزله وظل يبحث عن مكان يستطيع من خلاله أداء واجبه الشرطي.

حياته الاجتماعية

كان وليد يعيل أسر صغيرة مكونة من زوجته وثلاثة أطفال؛ سيلين، نادين، إسلام. ويشير شقيقه وجيه إلى أن الحرب حرمته من أبسط أمنيات الأب، فقد وُلد ابنه إسلام في الحرب، ولم يتمكن من رؤيته سوى مرة واحدة قبل أن تضطر والدته للنزوح إلى جنوبي القطاع تحت وطأة القصف والدمار والمجازر.

كان وليد يتمنى أن تنتهي الحرب وأن يعود إلى أسرته ليحمل طفله بين ذراعيه. كان يقول دائمًا: إنه "سيحمله عندما تنتهي الحرب ويتوفر الأمان"، لكن الحرب لم تمنحه تلك الفرصة.

ويقول وجيه: إن شقيقه الشهيد رحل قبل أن يحتضن ابنه إسلام، ودون أن يعرف دفء ذراعيه أو أن يسمع منه كلمة.

حفظ القرآن

وقبل أن يصبح وليد شرطيًا وحاملًا لدرجة الماجستير، تمكن من حفظ القرآن الكريم وهو طفلاً، وكان عمره 12 عامًا عندما صعد منبر الجمعة وألقى خطبة لأول مرة عن الصبر والثبات وبقيت كلماته محفورة في ذاكرة من سمعوها.

ومن بين العبارات التي اشتهرت عنه آنذاك؛ قوله: "لا تقل يا رب عندي هم كبير، بل قل يا هم عندي رب كبير".

وذكر أن شقيقه آنذاك واصل إلقاء الخطب والمواعظ، حتى أصبح الحديث عن الصبر والثبات جزءًا من شخصيته وهي القيم التي تمسك بها لاحقًا خلال الحرب والنزوح.

ولفت إلى أن شقيقه كان يحث دائمًا أفراد أسرته على الصبر، ويرى في الإيمان والقراءة والعمل وسائل لمواجهة الظروف الصعبة.

ذكريات لا تنسى

ولم يكن وليد، وفق شقيقه، يرى في القراءة ترفًا يمكن التخلي عنه في زمن الحرب بل كانت بالنسبة إليه ملاذًا، وكان يفضل الجلوس في المنزل والقراءة على الانشغال بأمور الحياة اليومية، وكانت لديه مكتبة كبيرة تضم كتبًا متنوعة بينها كتب الحديث والسنة وكتب في مجالات مختلفة.

وحين أجبرته الحرب على النزوح، لم يترك كتبه خلفه، يقول وجيه، بل جمع ما استطاع من مقتنياته وحمل معه قرابة خمسين كيلوغرامًا من الكتب، لتصبح رفيقًا له في أماكن اللجوء، وكان يقرأ في أصعب الظروف ويجد في صفحات الكتب مساحة للابتعاد قليلًا عن ضجيج القصف والخوف والنزوح.

ولفت إلى أنه مع استمرار الحرب واشتداد القصف، لم يتخل وليد عن حلمه الأكاديمي، فقد كان يعتزم دراسة الدكتوراه وكانت لديه رغبة في إعداد أطروحة تتعلق بتفسير القرآن الكريم.

وأردف بحزن شديد: "رحل قبل أن يبدأ الدكتوراه، لكنه ترك خلفه سيرة رجل ظل يتعلم حتى في زمن الحرب ويقرأ حتى في زمن النزوح".

ولم تتوقف خسائر العائلة عند فقدها وليد، فقبل استشهاده فقدت الأسرة أيضًا شقيقه الأصغر يونس الذي ارتقى شهيدًا في اليوم الأول للحرب. كما دمر جيش الاحتلال منزل العائلة المكون من ثلاثة طوابق، وتشتتت على إثر ذلك ثلاثة أسر كانت تسكن فيه، وتحولت ذكريات المكان إلى ركام.

ويقول وجيه: إن "يونس كان صاحب رؤية، وكان دائمًا يحدثهم عن قرب الخلاص من الاحتلال ويحثهم على الصبر والثبات، وكان يشعر بأنه سيرتقي شهيدًا".

رحل يونس أولًا ولحق به وليد بعد أقل من عام تاركين خلفهما أخًا يحمل ذكرياتهما، وأسرة فقدت منزلها وأبناءها وأطفالًا يكبرون مع صور الآباء تحت وطأة حرب لم تمنحهم الفرصة للعيش بسلام.

اخبار ذات صلة