قائمة الموقع

الشرطي سالم سلمي.. رحل عن عائلته تاركًا وصية تحتفظ بها أرملته وأبناؤه

2026-09-03T13:05:00+03:00
الشرطي سالم سلمي
فلسطين أون لاين

لم تكن غادة تعلم أن الأسئلة التي طرحها زوجها سالم سلمي، صباح 16 نيسان/ أبريل 2024، ستكون جزءًا من وداعه الأخير. عاد إلى البيت أكثر من مرة قبل أن يخرج إلى عمله، سألها إن كانت تحتاج لشيء، وأوصى أبناءه الثلاثة: "ديروا بالكم على أمكم". عند الظهيرة، دوّى صوت قصف في الجهة الشرقية من حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة، وبعد دقائق بدأت الأخبار تصل إليها متقطعة عن استهداف سيارة شرطة، كان سالم بداخلها. ومنذ ذلك الوقت لم يعد لعائلته.

كان سالم سلمي، البالغ من العمر (45 عامًا)، من سكان حي الزيتون، ويعمل في جهاز الشرطة قبل الحرب، وبالرغم من طبيعة عمله التي فرضت عليه الانضباط والجدية، فإن شخصيته داخل منزله كانت مختلفة، كما تصفها زوجته غادة.

تقول لصحيفة "فلسطين": "كان سالم رجلًا طيبًا وحنونًا ويحب الخير للجميع، بالرغم من كونه أحد رجال الشرطة المعروفين بجدّيتهم، فإنه لم يكن شديدًا في التعامل مع أهل بيته، ولم يكن عصبيًا".

كان سالم أبًا لثلاثة أبناء، لكنه لم يصل إلى الأبوة بسهولة، فقد انتظر الزوجان عشرة أعوام بعد الزواج قبل أن يرزقا بأطفالهما، بعد رحلة علاجية شاقة ومكلفة.

تروي غادة: "لم نرزق بالأبناء بعد الزواج، وأنجبنا بعد عشر سنوات، كانت زراعة الأجنة مكلفة جدًا، ولأن سالم كان يعمل شرطيا فإن راتبه لم يكن يكفي لهذه العلاجات والعمليات، لذلك كان يضطر أحيانًا إلى العمل إلى جانب وظيفته".

وتلك السنوات الطويلة لم تضعف علاقتهما، بل وفق ما تتحدث غادة فإن ما جمعهما ظل قويًا حتى بعد مرور أعوام طويلة على الزواج.

"من كان يرانا كان يعتقد أن زواجنا لم يمضِ عليه سوى سنتين أو ثلاث"، وفق قولها في وصفها لعلاقة بقيت محافظة على قربها ومودتها رغم مرور السنوات وثقل المسؤوليات.

دوام طويل

فلم يكن عمل سالم سهلًا قبل الحرب، كانت طبيعة وظيفته الشرطية تفرض عليه نظامًا متغيرًا في الدوام، بين ساعات صباحية ومسائية، وقد يغيب عن المنزل يومًا أو يومين، وأحيانًا تمتد فترة غيابه إلى أسبوع أو شهر خصوصًا في الدورات المغلقة.

وكانت غادة تعرف أن عمل زوجها يأخذ جزءًا كبيرًا من وقته، لكنها تعرف أيضًا أنه كان ينظر إليه بطريقة مختلفة.

وتضيف: "كان قد اتخذ من عمله كرجل شرطة مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه، وأيضًا رسالة يجب عليه أن يؤديها بكل أمانة وعلى أكمل وجه".

ومع اندلاع الحرب، تحولت ساعات غيابه إلى مصدر خوف دائم بالنسبة لعائلته، ولم تعد غادة تعرف إن كان خروج سالم من البيت يعني عودته بعد انتهاء الدوام، أم أن الطريق قد يحمل خبرًا آخر.

كانت تحاول أحيانًا أن تمنعه من الذهاب إلى عمله، وتتابع: "كنت كثيرًا أحاول منعه من الذهاب إلى الدوام، لكنه كان يرفض ويصر على أداء مهامه وواجباته الموكلة إليه، وكان يكتفي بالرد عليّ: "كّلي أمرك لله، واللي كاتبه ربنا بيصير".

ويوم أن اغتيل سالم، بدأ عاديًا لكنه انتهى بالفقد، كانت غادة وأبناؤها مع سالم في صف مدرسي بحي الزيتون. تكمل غادة حديثها: "الأسرة كانت تقضي ساعات النهار في البيت، ومع غروب الشمس يتوجهون إلى المدرسة للنوم، خوفًا من استمرار القصف خلال الليل".

في ذلك الصباح، طلبت من سالم إنجاز بعض المهام، ولبى جميع طلباتنا، لكن شيئًا في تصرفاته لم يكن كالمعتاد.

تسرد: "في ذلك اليوم استيقظنا، كانت نظراته لنا غريبة"، لم تتوقف عند تلك النظرات في حينها، لكنها بعد استشهاده عادت إليها مرارًا.

ولم تكن نظراته وحدها ما أثار دهشتها لاحقًا؛ فقد تحدث مع أبنائه بطريقة بقيت عالقة في ذاكرتها، "استغربت حديثه مع أبنائي وتوصيته لهم: ديروا بالكم على أمكم".

لم تكن تعرف أن العبارة التي مرت في ذلك الصباح ككلمات أبوية عابرة ستصبح آخر وصية يحملها أبناؤه من والدهم.

"شو بدك تتغدى؟".. سؤال لم يُجب عنه سالم كعادته قبل خروجه، سألته غادة عما يريد أن يتناول على الغداء. جاءت الإجابة مختلفة عن المعتاد: "معكرونة".

تقول غادة إن سالم كان غالبًا لا يحدد ما يريد، ويكتفي بالقول: "اللي بتعمليه"، لذلك استغربت اختياره في ذلك اليوم، اتفقا أن يعود من عمله، وأن يتناولا الغداء، ثم يخرجا معًا.

لكن سالم لم يخرج من البيت مرة واحدة وينتهي الأمر، خرج على دراجته الهوائية، ثم عاد مرة أخرى، ولف حول المكان، ثم توجه نحو باب المدرسة، قبل أن يعود من جديد.

وتقول غادة: "عاد وسألني: بدك إشي؟ ناقص عليكِ إشي؟ ثم خرج إلى عمله".

وفي وقت الظهيرة، كانت غادة في البيت عندما سمعت صوت القصف من الجهة الشرقية، تضيف: "ذلك الصوت أوقع شيئًا في قلبي"، رغم أن القلق ملازمًا لها كلما خرج سالم إلى عمله، قبل الحرب، كانت تتصل به بين الحين والآخر للاطمئنان عليه، أما خلال الحرب فقد أصبحت المكالمة نفسها مصدر خوف.

"طول ما هو بالدوام بكون قلقانة"، نزلت غادة إلى سلفاتها اللواتي كن يجتمعن حول النار، وسألتهن عن المكان الذي وقع فيه القصف، فلم تكن لديهن إجابة واضحة.

ثم جاءت إحداهن كأنها تريد إخبارهن بشيء، لكنها ما إن رأت غادة حتى سكتت، تكمل: "سألتها، وبعد إلحاح قالت إن المستهدف سيارة شرطة"، هنا بدأ الخوف يتسلل إلى قلب غادة بصورة مختلفة، خاصة أنها تعرف أن سالم في عمله.

بدأ الخبر يصل متدرجًا، بعدها رن هاتف إحدى المتواجدات وكان المتصل يحاول إيصال الخبر بطريقة تدريجية: سالم كان معهم في السيارة، لكنه مصاب، فلم تنتظر غادة طويلًا، "قمت فورًا وأردت الذهاب إلى المستشفى للاطمئنان عليه، فحاولوا منعي".

لكنها لم تكن تعرف أن منعها لم يكن بسبب خطورة الطريق فقط، وإنما لأن الحقيقة كانت أقسى بكثير، وأخبروها بعد ذلك أن سالم استشهد.

تقول: "انهرت بالبكاء وأغمي عليّ. وبعد حالة الإفاقة والإغماء بدأت أستوعب الخبر، قبل أن يأتوا به إلى البيت مودعين له".

في تلك اللحظة، انتهت بالنسبة إلى غادة حياة كاملة عاشتها مع زوجها قبل رحيله الأخير، وبدأت حياة أخرى عليها أن تواجهها وحدها، ثلاثة أبناء فقدوا والدهم وسندهم، فلم تكن وحدها من واجه الصدمة؛ فقد كان أبناء سالم الثلاثة على علاقة وثيقة بوالدهم.

وتضيف: "حتى أبنائي أصيبوا بصدمة كبيرة لفقده، خاصة أن علاقة قريبة وقوية كانت تربطهم به، ولا تزال تلك العلاقة حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية، وحتى الآن ابني الصغير يتذكره في كل موقف".

فالأب الذي كان حاضرًا في تفاصيل البيت، في الأعياد، في التنزه، وفي شراء الملابس والهدايا، أصبح غائبًا جسديًا، لكنه حاضر في ذاكرة أبنائه.

ومنذ استشهاد سالم، لم تعد أرملته غادة تملك رفاهية الانهيار؛ كان عليها أن تستمر، أن تربي أبناءها، تتابع احتياجاتهم، وتحاول أن تؤدي الدورين في بيت غاب عنه الأب.

تمر المناسبات متتالية، لكن غيابه يصبح أكثر ثقلاً، إذ تقول غادة: "لا يوجد مناسبة تمر دون أن نتذكره، خاصة فترة الأعياد. كان يصنع أجواء خاصة في البيت، ويحرص على إسعاد أبنائه، يشتري لهم الملابس، ويأخذهم للتنزه، ويصطحبهم إلى المطاعم".

حلم لم يكتمل

كان لدى سالم وغادة حلم بسيط يشبه أحلام كثير من العائلات: قطعة أرض ومنزل خاص يجمعهما بأبنائهما، وتكمل: "كان يحلم معي أن يشتري أرضًا ويبني عليها بيتًا خاصًا به وبأبنائه"، لكن الحلم بقي معلقًا عند حدود الأمنيات.

بعد فقد زوجها، تريد غادة أن يتذكر الناس أن خلف رجل الشرطة أسرة تنتظر عودته، وأن العمل الذي يبدو للبعض مجرد ساعات دوام، قد يحمل صاحبه بعيدًا عن منزله لأيام.

وتقول: "حياة الشرطي ليست سهلة كما يتخيل البعض أنها مجرد ساعات من الدوام يقضيها بعيدًا عن عائلته، بل هي حياة صعبة ومسؤولية كبيرة، خاصة أنه قد يغيب لفترات طويلة عن عائلته في الدورات المغلقة".

أما سالم، فكان يرى تلك المسؤولية جزءًا من حياته، حتى في أصعب أيام الحرب حتى رحل شهيدًا وهو على رأس عمله.

اخبار ذات صلة