فلسطين أون لاين

خطة بن غفير للتهجير.. بين الاستعراض الانتخابي والخذلان الدولي

في الأيام الماضية، تتالت التصريحات الإسرائيلية الرسمية بوتيرة لم تعد تحتمل التأويل، فوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير يعرض خطة مكتملة الأركان لتهجير 1.86 مليون فلسطيني من غزة خلال سبع سنوات، ووزير الحرب يسرائيل كاتس يقرّ بأن مخطط التهجير "لم يُلغَ"، بل هو "مجمّد" فقط، بانتظار موافقة أمريكية تُحدّد الوجهة التي ستستقبل سكان القطاع.

إن خروج الحديث عن التطهير العرقي من دوائر التفكير الاستراتيجي المغلقة إلى المنصات الرسمية المعلنة يجعل من واجبنا أن نتوقف ونسأل: هل هذا كله استعراض انتخابي عابر، أم أننا أمام مرحلة تُبنى فعليًا على أنقاض اتفاق وُقّع قبل عام تقريبًا باسم "السلام"؟

فمنذ العاشر من أكتوبر 2025، حين وُقّع في شرم الشيخ الاتفاق الذي روّج له ترامب بوصفه نهاية الحرب على غزة، وأُنشئ بموجبه ما يُعرف بـ"مجلس السلام" للإشراف على تنفيذه، مرّ ما يقارب عامًا لم تلتزم خلاله إسرائيل ببند واحد من بنود ذلك الاتفاق.

والسجل الميداني يتحدث بلا لبس: آلاف الخروقات اليومية، من إطلاق نار واستهداف ونسف منازل وتوغلات عسكرية، وارتفعت حصيلة الشهداء منذ أكتوبر 2025 إلى ما يتجاوز 1300 فلسطيني، فضلًا عن آلاف الجرحى، ولم تنسحب إسرائيل الانسحاب الكامل الذي نص عليه الاتفاق، ولم تسمح بدخول قوة الاستقرار الدولية وحكومة التكنوقراط، كما هو مفترض، فيما يواصل جيشها هدم ما تبقى من الأحياء السكنية.

والمفارقة الأخطر أن "مجلس السلام"، المفترض أن يكون الضامن الدولي لتنفيذ الاتفاق ومحاسبة من يخرقه، اكتفى في أكثر من محطة بتبني الرواية الإسرائيلية نفسها، فأعلن أن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس بشكل كامل، بدلًا من إدانة الخروقات اليومية الموثقة بالأرقام.

إن هذا التماهي بين "الضامن" والطرف المنتهك ليس تفصيلًا إجرائيًا عابرًا، بل يفتح الباب أمام سؤال لا يمكن الالتفاف عليه: هل ما نشهده هو مجرد فشل من مجلس السلام في أداء دوره، أم أن صمته المتكرر عن الخروقات تمهيد متعمد لمرحلة لاحقة يصبح فيها الحديث عن "الهجرة الطوعية" أمرًا "قابلًا للنقاش"؟ فحين تتحول مؤسسة الرقابة الدولية إلى واجهة تكرر مواقف الطرف الأقوى، يصعب استبعاد أنها جزء من مسار أوسع، لا مجرد شاهد عاجز عليه.

وفي هذا السياق جاءت خطة بن غفير: بإنشاء وزارة مقترحة، وميزانية تصل إلى خمسين مليار شيكل، وجدول زمني دقيق لتفريغ القطاع من أكثر من ثمانين بالمئة من سكانه. وقبل أن يجف حبر التغطيات، جاء تصريح كاتس ليكمل الصورة ويؤكدها: تهجير غزة لم يُلغَ، وإسرائيل تنتظر فقط الضوء الأخضر الأمريكي لتحديد الجهة التي سيُنقل إليها الناس. هذا التسلسل ليس مصادفة: بن غفير يطرح التفاصيل التقنية للخطة، وكاتس يؤكد أن القرار السياسي قائم فعلًا وينتظر غطاءً من واشنطن لا أكثر.

ولا يمكن فصل توقيت هذه التصريحات عن الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي المقرر في السابع والعشرين من أكتوبر المقبل.

يحتاج بن غفير إلى قضية "حماسية" تُبقي قاعدته الانتخابية متماسكة في وجه صعود منافسين جدد، وجعل التهجير شرطًا لأي ائتلاف حكومي مقبل هو استثمار مباشر في هذا الاستقطاب.

أما نتنياهو، الذي أبدى، بحسب تقارير عبرية، تحفظات في اجتماعات مغلقة على خطة بهذا الحجم، فلم يتردد في الترويج لها في لحظات معينة كي يُبقي بن غفير داخل الائتلاف.

لقد تحوّلت الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، عبر خطط التهجير، إلى سلعة انتخابية تتنافس عليها أحزاب اليمين المتطرف بأكملها، لا نزوة معزولة لوزير واحد.

غير أن الصحيفة العبرية التي كشفت تفاصيل الخطة أقرّت بالعقبة الأصعب أمامها: لا توجد دولة واحدة أبدت حتى الآن استعدادها لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين.

فالأسماء التي تُطرح كوجهات محتملة، من تركيا إلى إثيوبيا والكونغو، تبقى أسماء نظرية، ولم تبدِ أيٌّ منها موافقة معلنة، بل إن بعضها سبق أن أدان مثل هذه المخططات صراحة.

ولا يزال مشروع التهجير يواجه معارضة إقليمية: مصر والأردن كرّرا رفضهما القاطع للتهجير باعتباره خطًا أحمر يمس الأمن القومي، والسعودية وقطر والإمارات وتركيا وباكستان وإندونيسيا أصدرت مواقف ترفض أي مساس بحل الدولتين عبر التهجير.

لم تكن تصريحات بن غفير وكاتس حول تهجير سكان غزة وليدة اللحظة، فالفكرة انطلقت أساسًا من طرح ترامب نفسه في فبراير من العام الماضي بشأن "إخلاء" غزة، ورحّب به نتنياهو ووصفه بأنه أول فكرة جديدة منذ سنوات.

واليوم، بينما يُعلن كاتس أن التنفيذ ينتظر فقط "موافقة أمريكية"، وبينما يتغاضى "مجلس السلام"، الذي تقوده واشنطن، عن الخروقات اليومية الموثقة، يصعب استبعاد وجود تفاهم غير معلن بين الطرفين: واشنطن تطلق الفكرة وتُبقيها "قيد النقاش" أمام الرأي العام الدولي، وتل أبيب تحوّلها إلى تفاصيل تنفيذية جاهزة، فيما يبقى "التجميد" المعلن مجرد انتظار للتوقيت السياسي المناسب، لا تراجعًا فعليًا عن المخطط.

في نهاية المطاف، فإن إفشال هذا المخطط يحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات الرسمية، فالرفض العربي والإسلامي المعلن اليوم رفض شبه إجماعي، لكنه ما زال إلى حد كبير رفضًا تصريحيًا لم يتحول بعد إلى آلية ضغط جماعية فعلية أو خطة عمل موحدة.

لكن العامل الأهم يبقى، كما كان دائمًا، في غزة نفسها: شعب صمد أمام إبادة استمرت ثلاثة أعوام، لن يقبل أن يُساق خارج أرضه بصورة مذلة تُدار عبر ملفات ووزارات وميزانيات، كأنه سلعة تُنقل من مكان إلى آخر.

إن التهجير بكل تفاصيله التقنية المزخرفة يبقى في جوهره ما كان دائمًا: محاولة لإنهاء القضية بتفريغ الأرض من أصحابها، وهي محاولة سبق لهذا الشعب أن واجهها بثمن باهظ، ولن يكون هذه المرة استثناءً.

المصدر / فلسطين أون لاين