مع اقتراب استحقاق العام الدراسي الجديد، تصطدم آمال مئات آلاف الطلبة في قطاع غزة بواقع اقتصادي ألقى بأثقاله على كاهل الأسر المتعففة، التي باتت تواجه معضلة مستحكمة في تأمين أدنى لوازم التعليم لأبنائها الملتحقين بالمدارس والجامعات والكليات، وسط ظروف معيشية قاسية أفرزها استمرار الحرب .
تتسع دائرة الاحتياجات المعيشية لتشمل القرطاسية الأساسية والزي المدرسي والحقائب، إلى جانب رسوم رياض الأطفال والأقساط الجامعية، في وقت أصبحت فيه الموارد المتاحة للأسر شبه معدومة نتيجة توقف معظم مصادر الدخل وانتشار البطالة.
تأتي هذه الأزمة في الوقت الذي تتطلع فيه العائلات لأن يكون العام الدراسي الحالي أفضل من سابقه، من خلال استئناف العملية التعليمية وتدارك جزء من الفاقد التعليمي التراكمي الذي يعانيه الطلبة منذ بدء الاحتلال حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي الوقت الذي شرعت فيه المدارس بالضفة الغربية في استقبال الطلبة بانتظام ضمن خطط تعليمية مستقرة، يواجه قطاع غزة تحديات هيكلية غير مسبوقة يرتبط معظمها بالدمار الواسع الذي طال المنشآت التعليمية والبنية التحتية.
تشير الأرقام والإحصاءات إلى أن المنظومة التعليمية في غزة تعرضت لشلل شبه تام تعرضت أكثر من 85% من المدارس في القطاع لتدمير كلي أو جزئي، ما أدى إلى إخراج مئات المباني التعليمية عن الخدمة.
أضعاف القدرة المالية
تعبر "أم عمرو"، وهي سيدة تُعيل 5 أبناء على مقاعد الدراسة، عن عمق المعاناة الاقتصادية التي تعيشها عائلتها، موضحة أن توفير الكميات المطلوبة من القرطاسية والملابس المدرسية لأبنائها الخمسة أصبح أمراً يفوق طاقتها المالية بأضعاف.
وتأمل أم عمرو في حديثها مع صحيفة "فلسطين" أن تتجاوز وزارة التربية والتعليم هذا العام شرط الالتزام بالزي المدرسي الموحد، نظراً لغياب الأقمشة اللازمة لتصنيع الملابس نتيجة إغلاق المعابر وتوقف غالبية المصانع والغزل المحلي عن الإنتاج، فضلا عن عدم القدرة المالية لدى الأسر.
وتُعلق أم عمرو أملها على المساعدات التي تقدمها الجمعيات الخيرية والأهلية لتأمين بعض المستلزمات الأساسية والرسوم المدرسية.
نقاط تعليمية
يستعد أكثر من 625,000 طالب وطالبة في قطاع غزة لبدء عامهم الدراسي في ظروف استثنائية، هذا الشهر وسط ترتيبات فنية لوجستية معقدة تحاول التكيف مع واقع المدارس المتوفرة.
أمام تدمير المدارس وتحول المتبقي منها إلى ملاجئ، يلجأ القطاع التعليمي إلى إنشاء "نقاط تعليمية" بديلة تتوزع على مختلف مناطق النزوح. غير أن هذه النقاط تواجه ظروفاً بيئية وتجهيزية بالغة القسوة.
يعتمد العديد من هذه المراكز البديلة على الخيام والشوادر القماشية، ما يجعل الطلبة والكوادر التدريسية عرضة لدرجات الحرارة المرتفعة وغياب أدنى مقومات التهوية أو المقاعد الدراسية والتجهيزات المدرسية الأساسية.
التعليم العالي
ولا تتوقف هذه المعضلة عند حدود المدارس؛ إذ يمتد أثرها إلى التعليم العالي. تعكس قصة الشابة لميس الخالدي جانباً من هذه التحديات، بعد أن حصلت هذا العام على معدل يؤهلها للالتحاق بكلية التمريض في إحدى الجامعات المحلية.
رغم أن الجامعة قدمت لها منحة مجانية للفصل الدراسي الأول، على أن تتكفل بدفع أقساط الفصل الثاني، ورغم أن نظام الدراسة المقرر سيعتمد على التعليم عن بُعد (إلكترونياً)، إلا أن العقبة المالية ظلت قائمة.
تشترط الدراسة الإلكترونية امتلاك هاتف ذكي أو جهاز حاسوب حديث، وهو ما لا تملكه لميس. حسب ما تقول لصحيفة "فلسطين".
وقد أدى منع الاحتلال دخول البضائع والأجهزة الإلكترونية إلى القطاع إلى ارتفاع حاد في أسعار الهواتف المحمولة والمستلزمات التقنية بأسواق غزة، حيث قفزت الأسعار إلى أكثر من 300 % مقارنة بأسعارها الطبيعية، مما جعل الحصول على هاتف مناسب عقبة تحول دون تحقيق حلمها الأكاديمي.
كميات محدودة
على الجانب التجاري، يوضح محمود إسماعيل العامل في إحدى المكتبات المحلية، أن المكتبة أقدمت على استيراد وتوفير كميات محدودة من القرطاسية استجابة لاقتراب الموسم، إلا أن الكميات الموردة ظلت محدودة.
ويعزى إسماعيل في حديثه مع صحيفة "فلسطين" التحفظ إلى التخوف من استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والميدانية، وما قد يترتب على ذلك من تعطيل للعملية التعليمية.
كما يؤكد أن ضعف القدرة الشرائية وغياب السيولة لدى العائلات يحول دون شراء المستلزمات كاملة، حيث تكتفي الأسر بشراء الحد الأدنى من الدفاتر والأقلام.
ويرى تجار المكتبات أن أسعار القرطاسية، رغم انخفاضها الطفيف مقارنة بالشهور الأولى للحرب، لا تزال أعلى عما كانت عليه قبل أكتوبر 2023.
ويستشعر أصحاب المكتبات خطراً آخر يتمثل في احتمال دخول مساعدات وقرطاسية مجانية ممولة من مؤسسات إغاثية خارجية، ما قد يؤدي إلى ركود البضائع المعروضة في السوق المحلي وتكبيدهم خسائر مالية جديدة.

