يبدأ العام الدراسي الجديد، اليوم الأحد، في المدارس الحكومية والخاصة في الضفة الغربية المحتلة، وكذلك مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وسط أزمات متراكمة تهدد انتظام العملية التعليمية وتعمّق الفاقد التعليمي، فيما يحل موعد الدراسة على طلاب قطاع غزة في ظل واقع تعليمي أكثر قسوة، فرضته الحرب الإسرائيلية التي دمّرت أو ألحقت أضراراً واسعة بالمدارس وحوّلت بعضها إلى مراكز إيواء.
وبينما يستعد مئات آلاف الطلبة في الضفة الغربية للعودة إلى مقاعد الدراسة وسط خلافات حول انتظام الدوام وأزمة رواتب المعلمين، يدخل أطفال غزة عاماً دراسياً جديداً وهم يواجهون آثار الانقطاع الطويل عن التعليم، وفقدان مدارسهم، وتدمير البنية التعليمية، فضلاً عن النزوح والظروف الإنسانية القاسية التي يعيشونها.
وفي الضفة الغربية، تبدأ الدراسة وسط تحديات متراكمة لم تتمكن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية من حلها منذ العام الدراسي الماضي، انعكست بصورة مباشرة على انتظام الدوام وعلى جودة العملية التعليمية، في ظل أزمة رواتب المعلمين المستمرة منذ أعوام، وعدم انتظام صرفها واقتصارها على نحو 50% من قيمتها.
وتسعى وزارة التربية والتعليم إلى انتظام دوام المعلمين والطلاب خمسة أيام أسبوعياً، إلا أن الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين أعلن أن الدوام المعتمد سيكون ثلاثة أيام أسبوعياً، في خطوة يرى معلمون أنها لا تلبي احتياجات الطلبة، ولا تعالج أصل الأزمة المرتبطة بالرواتب وظروف المعلمين.
ويحذر معلمون من خارج إطار الاتحاد من أن الخيارات أمامهم مفتوحة، بما فيها الإضراب وعدم التوجه إلى المدارس مع بدء العام الدراسي، الأمر الذي يهدد بمزيد من تعطيل العملية التعليمية وارتفاع حجم الفاقد التعليمي.
غزة.. عام دراسي بلا مقاعد كافية
وفي قطاع غزة، تبدو صورة العام الدراسي أكثر قتامة. فمع اقتراب موعد العودة إلى المدارس، لا يواجه الطلبة مشكلة انتظام الدوام فحسب، وإنما واقعاً جديداً فرضته الحرب، بعدما تحولت المدارس إلى أماكن إيواء أو تضررت ودُمرت بفعل العمليات العسكرية.
ويحمل انقطاع التعليم في غزة آثاراً تتجاوز فقدان الحصص الدراسية؛ فالطلبة الذين حُرموا من مدارسهم ومن بيئة تعليمية مستقرة يواجهون عاماً جديداً وسط النزوح والدمار والظروف الإنسانية الصعبة، بينما تكافح المؤسسات التعليمية لاستعادة الحد الأدنى من العملية التعليمية.
وهكذا، تتسع الفجوة التعليمية بين ما يفترض أن يكون عاماً دراسياً جديداً، وبين واقع آلاف الأطفال الذين فقدوا انتظامهم الدراسي لفترات طويلة، في وقت بات فيه توفير مساحة آمنة للتعلم تحدياً بحد ذاته.
أما في الضفة الغربية، فتنعكس الأزمة المالية على نحو مباشر على المدارس والمعلمين والطلبة. ويبلغ عدد المعلمين، من دون القدس، نحو 32 ألف معلم ومعلمة موزعين على قرابة ألفي مدرسة حكومية، تقدم خدماتها لنحو 625 ألف طالب وطالبة.
ولم يتلقَّ هؤلاء المعلمون رواتبهم بصورة منتظمة أو كاملة منذ نحو ستة أعوام، فيما تتراوح رواتب أكثر من 70% منهم بين ألف دولار وألف وثلاثمائة دولار، إلا أنهم يتلقون منذ نحو عامين راتباً فعلياً لا يتجاوز 2000 شيكل، أي نحو 664 دولاراً، من دون تحسن ملموس في نسبة الصرف.
وتتزامن الأزمة التعليمية مع استمرار الأزمة المالية التي تعانيها الحكومة الفلسطينية، في ظل ارتفاع الدين العام إلى أكثر من 17 مليار شيكل، أي نحو 5.65 مليارات دولار، واستمرار وقف إسرائيل تحويل أموال المقاصة التي تمثل نحو 68% من إيرادات الحكومة، ما انعكس بصورة مباشرة على انتظام العملية التعليمية.
فاقد تعليمي يتسع
ويقول عضو اللجنة التنسيقية للمعلمين، عمر محيسن، إن اعتماد دوام ثلاثة أيام أسبوعياً يمثل قراراً "مجحفاً بحق الطلاب"، الذين لا يحصلون، وفق تقديره، على الحد المطلوب من التعليم، مشيراً إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في عدم قدرة الحكومة على توفير راتب يكفل للمعلم أداء عمله بصورة طبيعية.
ويضيف محيسن أن نسبة الفاقد التعليمي، التي كانت تصل في أعقاب تفاقم الأزمة المالية بعد عام 2019 إلى نحو 30% في حدها الأقصى، ارتفعت خلال العام الماضي إلى قرابة 60%.
ويقول: "لم نكمل تعليم المنهاج، ولم نعطِ الطلاب حقهم"، مشيراً إلى أن الارتباك في الدوام انعكس على رغبة الطلاب وقدرة المعلم التعليمية، وأن "ثلاثة أيام دوام لا تكفي الطالب، وكذلك 50% من الراتب لا تكفي المعلم".
ويحذر من أن استمرار الأزمة قد يدفع المعلمين إلى خيارات عدة، بينها الإضراب المفتوح، أو اتخاذ أولياء الأمور موقفاً بعدم إرسال أبنائهم إلى المدارس في ظل استمرار الفاقد التعليمي، إلى جانب خيارات أخرى تتعلق بعدم إعطاء الحصص المدرسية.
في المقابل، يرى أمين عام اتحاد المعلمين الفلسطينيين، سائد ارزيقات، أن الحل يتطلب انتظام الدوام خمسة أيام أسبوعياً، محذراً من أن تقليص عدد أيام الدوام سيؤدي إلى زيادة الفاقد التعليمي.
ويكشف ارزيقات عن جهود للحصول على دعم خارجي مخصص لقطاع التعليم تحت مسمى "التعليم المساند" أو "تعافي التعليم"، بهدف رفع عدد أيام الدوام إلى أربعة أيام على الأقل، بما يساعد في تقليص الفاقد التعليمي، إلا أن هذه المساعي لم تلقَ استجابة من الأطراف الدولية حتى الآن.
من جهته، يقول وزير التربية والتعليم العالي في الحكومة الفلسطينية، أمجد برهم، إن الجميع يدرك حجم الأزمة المالية التي تمر بها الحكومة في ظل الحصار الاقتصادي الإسرائيلي، مؤكداً أن طموح الوزارة هو الوصول إلى دوام خمسة أيام أسبوعياً، إلا أن التوافق على ذلك "ليس سهلاً".
وحول مساعي الحكومة للحصول على دعم خارجي لقطاع التعليم، يقول برهم إن الحكومة تسعى لجلب الدعم لمختلف القطاعات، وفي مقدمتها التعليم والصحة، لكن "حتى الآن لا توجد ملامح واضحة حول هذا الدعم".
ويأمل برهم ألا تشهد المدارس الحكومية إضرابات مع بدء العام الدراسي الجديد، كما حدث خلال أعوام سابقة، مؤكداً أن الوزارة تعمل على تحسين ظروف المعلمين بما يسمح بزيادة عدد أيام الدوام.
محاولات لترميم المدارس
وفي إطار التحضيرات للعام الدراسي الجديد، يقول برهم إن الوزارة أعادت صيانة أكثر من 104 مدارس، إضافة إلى إنشاء 17 مدرسة جديدة، وثلاث روضات تضم تسع غرف، فضلاً عن افتتاح مدرستين جديدتين للتعليم المهني تضمان عشرة تخصصات مهنية، وتوسعة مدرستين قائمتين بإضافة تسع غرف.
كما جرى افتتاح أربع مدارس ضمن "مدارس التحدي" المخصصة للسكان البدو في المناطق التي تواجه استهدافاً إسرائيلياً، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة في 104 مدارس كانت بحاجة إلى تأهيل.
ويتحدث برهم كذلك عن تعيين أكثر من 1200 معلم ومعلمة، واستحداث 54 وحدة مهنية في المدارس.
لكن هذه الإجراءات لا تبدد جوهر الأزمة التي يواجهها التعليم الفلسطيني؛ ففي الضفة الغربية، يهدد عدم انتظام الدوام وأزمة رواتب المعلمين بمزيد من الفاقد التعليمي، بينما يواجه أطفال غزة واقعاً أشد قسوة، إذ لا تزال آثار الحرب والدمار والنزوح تحاصر حقهم في التعليم.
ومع بدء عام دراسي جديد في الضفة، يبقى السؤال الأثقل متعلقاً بالأطفال في غزة: كيف يمكن الحديث عن عودة إلى المدارس، حين لا تزال أعداد كبيرة منهم تفتقد المدرسة الآمنة، والصف الدراسي المنتظم، وحتى المكان الذي يمكن أن يبدأوا منه عاماً تعليمياً جديداً؟

