لم تكن صورة الحاجة ليلى مرتجى، وهي تجلس ووجهها مغطى بالدماء، مجرد صورة لامرأة جريحة، بل تحولت إلى شاهد حي على لحظة رعب عاشتها عائلة غزية كانت تبحث عن ساعات قليلة من الهدوء على شاطئ البحر، قبل أن يحول القصف الإسرائيلي نزهتهم إلى مأساة، فيرتقي أحد أفراد الأسرة ويصاب آخرون.
في تلك الصورة بدت "ليلى" جالسة وسط الركام والدماء، في حين كانت تحاول استيعاب ما حدث. لم تكن تعلم في تلك اللحظة أن ابنها "عصام" الذي كان برفقتها فارق الحياة، وأن إصابتها الخطيرة ستقودها إلى مستشفى الشفاء الطبي، حيث تقبع حتى اليوم بانتظار فرصة للسفر وتلقي العلاج خارج قطاع غزة.
وروت ابنتها ابتسام مرتجى، التي أصيبت بجروح طفيفة في الاستهداف، تفاصيل الساعات التي سبقت المجزرة، قائلة لصحيفة "فلسطين": إن والدتها وشقيقها عصام وزوجته طلبوا منها الخروج معهم للتنزه واستنشاق هواء البحر، بعدما ضاقت بهم ظروف الحرب والقصف المتواصل.
لحظات قليلة
وقالت ابتسام إنهم وصلوا إلى استراحة داخل ميناء غزة البحري، وتناولوا طعام الغداء والفاكهة، وتبادلوا الحديث والضحكات، في محاولة لانتزاع لحظات قليلة من الحياة الطبيعية التي افتقدها سكان القطاع منذ بدء الحرب.
وأضافت: أن شقيقها عصام، استأذن لأداء صلاة العصر، قبل أن يتحول المشهد خلال لحظات إلى صراخ ودماء وركام.
وتابعت بحزن: "كان أخي في الركعة الثانية من صلاة العصر عندما استُهدفنا، لم نسمع شيئًا بعدها، وشعرت بحرارة شديدة، ثم فقدت الوعي".
وعندما استعادت "ابتسام" وعيها، حاولت الوقوف، لكنها سقطت أرضًا بجوار والدتها، التي كانت تنزف بشدة من أنحاء جسدها، فيما غطت الدماء وجهها بالكامل.
وتردف أن والدتها كانت مصابة في يدها اليمنى، وأن النزيف كان شديدًا، ما دفعها إلى التقاط قطعة قماش تطايرت من المكان جراء القصف وربطها حول يد أمها في محاولة لوقف النزيف، قبل أن تدرك حجم المأساة التي حلت بعائلتها.
وبينما كانت "ليلى" في حالة صدمة، كانت تردد الشهادتين، في حين حاولت ابنتها إنقاذها وسط حالة الفوضى والدمار.
وفي تلك اللحظات، بدأت الأسرة تبحث عن "عصام"، قبل أن تكتشف أنه فارق الحياة متأثرًا بإصابته.
ونُقلت الحاجة ليلى، وابنتها إلى المستشفى بواسطة سيارة مدنية، والقول لابتسام، بعدما تعذر انتظار وصول سيارات الإسعاف وسط خطورة المكان، وكانت الأم تنزف بشدة، في حين لم تتوقف عن ترديد الشهادتين.وصلت ابتسام، إلى المستشفى بإصابات طفيفة، فيما أُدخلت والدتها إلى العناية المركزة، بعد إصابتها في مناطق مختلفة من جسدها، قبل أن تخضع لبتر يدها اليمنى نتيجة خطورة الإصابة.
مصير مجهول
ومنذ ذلك الحين، تقبع ليلى، في مستشفى الشفاء الطبي، دون معرفة مصير ابنها عصام الذي ارتقى في الاستهداف، تصارع آثار إصاباتها، بينما تنتظر عائلتها السماح لها بالسفر إلى خارج قطاع غزة لتلقي العلاج الذي تحتاجه، في ظل محدودية الإمكانات الطبية المتاحة داخل القطاع.
وتتابع ابتسام: إن حالة والدتها لا تحتمل الانتظار، وإنها بحاجة إلى علاج متخصص غير متوفر بالشكل المطلوب في غزة، خصوصًا بعد ما تعرضت له المنظومة الصحية من تدمير ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة بفعل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وأشارت إلى أنهم يخفون عن والدتها ما أصاب عصام، الذي ارتقى خلال القصف خشية من تردي وضعها الصحي أو تفارق الحياة حزنا عليه، أو تتعرض لانتكاسة صحية.
وتناشد ابتسام، الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية والطبية التدخل العاجل للسماح للحاجة ليلى، بالسفر، مؤكدة أن مطلبها الوحيد هو إنقاذ حياتها ومنحها فرصة للحصول على العلاج اللازم، قبل أن تتدهور حالتها الصحية بصورة يصعب تداركها.
وتتابع بحزن أن والدتها خرجت في ذلك اليوم بحثًا عن الهواء والهدوء، لكنها عادت محمولة إلى المستشفى، بعدما فقدت ابنها ويدها، وتحول وجهها الذي ظهرت صورته على منصات التواصل الاجتماعي مغطى بالدماء إلى صورة تختزل مأساة آلاف المدنيين في غزة.
وكانت وزارة الصحة بغزة قد أعلنت الشهر الماضي، عقب استهداف منطقة الميناء غربي مدينة غزة، ارتقاء ستة شهداء وإصابة 14 آخرين بجروح متفاوتة، في قصف طال مجموعة من المواطنين داخل المكان.
وكان الميناء، قبل الاستهداف، من الأماكن التي تلجأ إليها عائلات بحثًا عن مساحة للتنفس بعيدًا عن القصف والدمار، لكن القصف حوّل المكان إلى مشهد من الركام والدماء، في واحدة من الوقائع التي تقول العائلات إنها تؤكد أن المدنيين لم يعودوا يجدون مكانًا آمنًا في القطاع.
ذكرى مؤلمة
وبالنسبة إلى ابتسام، لم تعد صورة والدتها الملطخة بالدماء مجرد ذكرى مؤلمة ليوم فقدت فيه شقيقها، بل أصبحت نداءً متواصلًا لإنقاذ أمها التي لا تزال ترقد في مستشفى الشفاء، تنتظر قرارًا يسمح لها بمغادرة غزة وتلقي العلاج.
ويقول عدد من أفراد العائلة، إن الحاجة ليلي نجت من القصف، لكنها لا تزال تواجه خطرًا حقيقيًا داخل المستشفى، وإن السماح لها بالسفر للعلاج لم يعد يحتمل التأجيل.
فبعد أن فقدت ابنها "عصام" وبُترت يدها اليمنى، لا تريد عائلتها أن تكون النهاية فقدانها هي الأخرى، وتواصل مناشدتها للسماح لها بالسفر، قبل أن تتحول إصاباتها التي نجت منها يوم المجزرة إلى سبب آخر لفقدانها.