تحت سقف خيمة هشّة لا تقي عائلتها حرارة الصيف، تجلس فلسطين أبو طيور محاطة بزوجها وأبنائها، وهي تحدّق طويلًا في مدخل الخيمة كأنها تنتظر أن يظهر فجأة ابنها أكرم المخفي قسرًا منذ اعتقاله على يد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وفي حين صارت الخيمة الملاذ الأخير للعائلة منذ أن فقدت منزلها في قرية الشوكة بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، بَقي قلب الأم عالقًا في المكان الذي اقتيد منه ابنها البكر بعيدًا عنها.
تعيش فلسطين البالغة (38 عامًا)، نازحة في منطقة مواصي خان يونس، جنوبي القطاع، لكن نزوحها لم يكن وحده ما أثقل حياتها. فمنذ اعتقال ابنها أكرم يوم 12 يوليو/ تموز 2024، تعيش الأم حالة ترقب لا تنتهي، بحثًا عن معلومة صغيرة تطمئنها أنه ما يزال حيًا.
الإخفاء القسري
وتقول فلسطين: "مرَّ أكثر من عامين على اعتقال أكرم، دون أن نتلقى إعلانًا رسميًا يوضح مكان وجوده أو وضعه أو مصيره. كل ما وصلنا كان عبر أسرى أُفرج عنهم من سجون الاحتلال وعادوا إلى غزة".
تضيف لصحيفة "فلسطين"، أن أسرى محررين أخبروها بأنهم شاهدوا أكرم في معتقل "سديه تيمان" سيئ السمعة، في حين أكد لها آخرون أنهم رأوه لاحقًا في سجن "النقب" الصحراوي، قبل الإفراج عنهم وعودتهم إلى ذويهم.
لكن هذه الأخبار بالرغم من أنها تمنحها لحظات قصيرة من الأمل، لا تجيب عن السؤال الذي يرافقها كل يوم: أين أكرم الآن؟
كان أكرم يبلغ (17 عامًا) عندما اعتقله جنود الاحتلال خلال توغل مفاجئ داخل مدينة رفح، في وقت كانت حرب الإبادة تعصف بالقطاع وسكانه.
تتذكر لحظة اعتقاله أمام أفراد العائلة، حيث سحبه جنود جيش الاحتلال ووضعوه مع معتقلين آخرين داخل آلية عسكرية إسرائيلية، ثم غادروا بهم إلى جهة مجهولة.
لم تستطع الأسرة معرفة وجهته، ومنذ ذلك اليوم، تحولت صورة ابنها في ذاكرتها إلى نافذة وحيدة تحاول من خلالها تخيل حياته خلف القضبان.
ذرفت الأم دموعًا حارة على خديها وهي تقول: "أحن إلى رؤية ابني، فأنا متعلقة جدًا به، ولا أستطيع مواصلة العيش بدونه. أريد الاطمئنان عليه".
ولا تطلب فلسطين أكثر من معلومة واضحة عن ابنها، بحسب ما تقول، ولا تعرف لماذا يمارس الاحتلال سياسة الإخفاء القسري ضده؟، ولماذا لا تستطيع العائلة معرفة مكان اعتقاله أو وضعه الصحي؟
نزوح وفقد كبير
داخل الخيمة، ووسط معاناة النزوح، لا يملك أفراد الأسرة سوى الانتظار، تتوزع أعباء الحياة بين زوجها وأبنائها، فيما تحاول الأم أن تخفي عنهم حجم الخوف الذي يسكنها، لكن رغم غياب أكرم فإن حضوره باقٍ في تفاصيل حياتهم اليومية.
تتساءل فلسطين عن الطعام الذي يتناوله ابنها، والمكان الذي ينام فيه، وما إذا كان يتلقى العلاج عندما يمرض، ومن يعتني به مع ما يُشاع عن الانتهاكات والجرائم التي يتعرض لها الأسرى داخل السجون، والتي تسببت باستشهاد أكثر من 100 أسير منذ بدء حرب الإبادة، أُعلنت هويات 89 منهم فقط، وفق تقارير صادرة عن مؤسسات تعنى بشؤون الأسرى.
وبالنسبة للأم، فإن خوفها يكبر كلما سمعت عن وفاة أسير فلسطيني داخل سجون الاحتلال تحت وطأة القهر والتعذيب.
تقول: إنها تخشى أن تهدد الانتهاكات والجرائم التي يتعرض لها الأسرى حياة ابنها، خصوصًا أنه اعتُقل وهو في السابعة عشرة من عمره.
ومنذ اعتقاله، لم يعد غياب أكرم مجرد مسافة تفصلها عن ابنها، بقدر ما تحول هذا الغياب إلى فقدانٍ للمعلومة نفسها. وتقول: "لا أعرف إن كان معتقلًا في مكان محدد، ولا نملك رواية رسمية تساعدنا على فهم ما جرى له منذ اعتقاله".
وبينما أصبح الانتظار جزءًا من حياتها اليومية بعد مرور أكثر من عامين على اعتقاله، تتابع الأم أخبار الأسرى، علّها تسمع اسم ابنها بين المفرج عنهم أو تجد أي معلومة تقودها إليه.
لكن الأخبار التي تنتظرها لم تأتِ بعد، وبالنسبة لها فإن أصعب ما في الاعتقال ليس فقط غياب نجلها، وإنما العجز عن معرفة ما إذا كان بخير.
تتابع حديثها بنبرة تشي بألم كبير يهيمن عليها: إن "قلبها لا يهدأ، وإنها تريد فقط الاطمئنان عليه".
الانتظار الطويل
وقبل الحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ولم تنته بعد بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، كان أكرم وعائلته يعيشون حياة هادئة في رفح؛ تلك المدينة التي مسحها جيش الاحتلال عبر عمليات النسف والتدمير.
اليوم، تغير كل شيء حول هذه الأسرة؛ فالبيت الذي كان يجمعهم لم يعد موجودًا، في حين تعيش العائلة تحت وطأة النزوح في خيمة، وقد تركت الحرب خلفها فقدًا وخوفًا لا حدود لهما.
ولم تكن الأم تتخيل أن اللحظة التي ستراه فيها آخر مرة ستكون لحظة اقتياده إلى آلية عسكرية، وأنها ستقضي بعدها أكثر من عامين ينتظر قلبها المليء بالخسارات، خبرًا عنه.
لكن بين كل هذه الخسارات، يبقى غياب أكرم أكثر ما يشغل والدته، في حين لا تزال تحتفظ بمكان لابنها في ذاكرتها، وبسؤال لا تجد له إجابة: أين أكرم؟
وحتى تستطيع الحصول على إجابة لهذا السؤال، ستواصل فلسطين الانتظار تحت وطأة الإخفاء القسري الإسرائيلي.