لم تعد كتل الركام الضخمة المتناثرة بين خيام النازحين مجرد شاهد صامت على حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، بل تحولت إلى كابوس يومي يضاعف قسوة النزوح.
وبينما تقطعت السبل بمئات الآلاف من النازحين في مساحات ضيقة ومكتظة، تحولت الفراغات بين تلال الأسمنت المهدم إلى مكبات عشوائية للنفايات ومناطق توالد رئيسة للحشرات والقوارض، وسط تصاعد المطالب الشعبية الملحة بترحيل هذا الركام إلى مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية.
وفي غزة، لا يُقاس الدمار بعدد البيوت المهدمة فحسب، بل بوزنه أيضا، فقد بلغت كمية الركام الناتج عن حرب الإبادة حسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 19 ديسمبر/كانون الثاني 2025، نحو 57.5 مليون طن، بعد أن دُمّرت أو تضررت قرابة 80% من مباني القطاع.
مكاره صحية بين الخيام
في مخيمات الإيواء المؤقتة، تعيش العائلات واقعا بيئيا بالغ السوء. على بعد سنتيمترات معدودة من أطراف الخيام المصنوعة من القماش والنايلون، ترتفع تلال رمادية من الركام الذي اختلطت شقوقه بالنفايات المنزلية المتراكمة جراء شح آليات جمع القمامة، كأحد تداعيات الحرب.
تقول النازحة أم علي صابر (58 عاما)، لصحيفة "فلسطين"، وهي تقطن خيمة لا تبعد سوى أمتار عن جبل كبير من الركام في منطقة الصبرة جنوبي مدينة غزة: "نعيش في جحيم حقيقي. الركام ليس فقط ضيقا لمساحة الحركة، بل أصبح مكبا للنفايات ومأوى للحشرات والذباب والروائح الكريهة التي تقتحم خيامنا ليلا ونهارا".
وتضيف بصوت يغلبه التعب: "أطفالنا يصابون باستمرار بالأمراض الجلدية والنزلات المعوية، ولا نعرف هل نحمي أنفسنا من تبعات الحرب أم من هذا الوباء المحيط بنا من كل جانب"، مطالبة بالضغط على الاحتلال للسماح بإدخال المعدات اللازمة لإزالة الركام.
خطر يتربص بالأطفال
لا تقتصر أزمة الركام على الجانب الصحي والبيئي فحسب، بل تمتد لتشكل خطرا أمنيا مباشرا على سلامة الأطفال الذين يفتقرون لأماكن اللعب والترفيه. وغالبا ما تتخذ أجساد الصغار من هذه التلال مساحة للحركة، متجاهلين مخاطر أسلاك الحديد البارزة والكتل الأسمنتية التي تهددهم بالانهيار المفاجئ.
ويشير المواطن محمد أبو دلال (45 عاما)، لصحيفة "فلسطين"، إلى أن تلال الركام باتت تشكل عائقا مروريا وخدميا يعزل المخيم والمنطقة عن محيطها، موضحا بالقول: "حاولنا مرارا إبعاد النفايات أو حرقها بشكل بدائي لتجنب روائحها، لكننا نفاقم المشكلة ولا نحلها، لأن الركام نفسه بات حاضنة للقمامة بسبب غياب الحاويات والسيارات الناقلة".
ويتساءل: "أين المؤسسات الدولية؟ الخطر يلاحق أبناءنا الصغار، والقوارض تهاجمنا ليلا ونهارا، وأصبحنا لا نطيق العيش هنا، حتى أن الركام أصبح منبعا للحيّات السامة والضارة"، مطالبا بإزالة الركام إلى مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية.
من جانبه، يروي المواطن هشام عبد العال (42 عاما)، لصحيفة "فلسطين"، تفاصيل معاناته اليومية مع انتشار القوارض والحشرات، قائلا: "باتت الفئران والقوارض تتسلل إلى داخل خيمتنا ليلا، مما ينشر الرعب والخوف المستمر في نفوس أطفالي وزوجتي"، مضيفا بصوت يملؤه القلق: "بلغ بنا السوء حدا لا يطاق، لدرجة أنني اضطررت بنفسي لقتل حية سامة كانت متسللة وتهدد حياة أطفالي، ونحن نقف مكتوفي الأيدي عاجزين عن توفير بيئة آمنة لهم وسط هذا الركام المهلك".
أمام تفاقم هذه الأزمة، ترتفع الأصوات الشعبية والمطالبات بالتحرك العاجل لترحيل هذه الكتل الأسمنتية والركام من وسط التجمعات السكنية ومخيمات النزوح. ويطالب الأهالي بنقل الركام إلى مساحات ومناطق فارغة بعيدة عن الكثافة السكانية، لتخفيف العبء الصحي والبيئي الذي بات يهدد حياة مئات الآلاف من السكان.
ضخامة الركام تعيق الجهود
من جهته، يؤكد أحمد الأغواني (41 عاما)، الذي يعمل في لجنة الحي والبلدية لصحيفة "فلسطين"، أن المؤسسات الشريكة مع البلدية ولجنة الحي تعمل جاهدة في عدد من المناطق، "لكن الجهود المبذولة ليست بالشكل المطلوب نظرا للحجم الهائل والضخم للركام والدمار، إلى جانب أن المعدات المتاحة غير كفيلة وحدها بالتعامل مع هذه الكارثة".
وحذر الأغواني من أن استمرار هذا الوضع سيفجر أزمة صحية واسعة النطاق مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الشتاء، موجها دعوة عاجلة للتدخل الدولي والعربي للضغط على الاحتلال والسماح بإدخال الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة، لرفع هذا الكابوس عن كاهل النازحين.
وأوضح تقرير أصدر ته مجموعة من المنظمات الأممية والدولية العام الماضي أن الكميات الهائلة من الركام "غير المسبوق" الناتج عن الحرب في غزة تشكل مخاطر كبيرة على صحة الإنسان والبيئة.
وباستمرار، تطالب بلدية غزة في بياناتها بالتدخل العاجل وتوفير المعدات والآليات اللازمة للعمل لإزالة الركام ولإصلاح الطرق التي دمرها الاحتلال والتحفيف من الكارثة التي تعيشها المدينة.
وفي ظل تفاقم هذه الأزمة البيئية والإنسانية، يبقى آلاف النازحين في قطاع غزة عالقين بين مطرقة النزوح وسندان ركام جمع ليحاصر تفاصيل حياتهم اليومية، بانتظار بارقة أمل، قبل أن تتحول هذه الجبال الصامتة إلى كارثة صحية لا يمكن احتواؤها.

