تحوّل أبو عبيدة عبر سنوات من الخطاب المتقن والمشاهد المحسوبة والتوقيت الدقيق، إلى جزء من بنية الاتصال السياسي والعسكري في المواجهة، ومع استشهاده، لم تكن الخسارة متعلقة بشخصية إعلامية بقدر ما كانت متعلقة باختبار قدرة المؤسسة التي أنتجت تلك الشخصية على الحفاظ على حضورها وتأثيرها بعد غيابها، وقد أعلنت "إسرائيل" استهدافه وارتقاءه في 31 أغسطس/آب 2025، قبل أن تؤكد كتائب القسام ارتقاءه رسمياً في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
بعد عام، تبدو المسألة أكثر تعقيداً من سؤال: ماذا ترك أبو عبيدة خلفه؟ فالسؤال الأكثر أهمية هو: هل كانت ظاهرة أبي عبيدة مرتبطة بصاحب الصوت والصورة، أم أنها كانت تعبيراً عن منظومة خطاب قادرة على إعادة إنتاج نفسها؟
من هنا، يصبح غيابه مناسبة لقراءة تجربة الخطاب المقاوم في إدارة الصورة، وصناعة الرسالة، ومواجهة الرواية الصهيونية، ثم اختبار انتقال السردية من رمزية الفرد إلى مؤسسية الفعل الاتصالي.
أبو عبيدة.. كيف صُنعت شخصية الناطق العسكري؟
لم يدخل أبو عبيدة إلى المجال العام بوصفه شخصية تبحث عن الحضور، ولكنه ظهر منذ البداية بوصفه «صوتاً بلا وجه»؛ وهذه المفارقة كانت أول مفاتيح قوته الاتصالية، فالقناع لم يكن مجرد إخفاء للهوية، وإنما أعاد تعريف العلاقة بين المتحدث والجمهور: اختفى الفرد ليبرز الدور، وتراجعت سيرة الشخص أمام صورة المؤسسة، وهنا يمكن تسمية هذه التقنية بـ «مفارقة الغياب الحاضر»؛ كلما غاب الوجه، ازداد حضور الرمز.
ثم جاء الصوت ليؤدي وظيفة تتجاوز نقل المعلومة، نبرة ثابتة، لغة محسوبة، جمل قصيرة، مفردات ذات حمولة عسكرية وسياسية، وتوقيت لا يبدو عشوائياً؛ كلها صنعت ما يمكن تسميته «هندسة الهيبة الخطابية»، لم يكن أبو عبيدة يتحدث لمجرد إخبار الجمهور بما حدث، ولكنه كان يحدد كيف ينبغي أن يُقرأ الحدث، ومن أي زاوية ينبغي أن يُفهم.
حتى الإخراج البصري لم يكن تفصيلًا ثانوياً؛ فاللون، الخلفية، الزي، القناع، وطريقة الظهور أسهمت في إنتاج «هوية بصرية بلا هوية شخصية»، وهكذا تحولت الشخصية تدريجياً من ناطق باسم جناح عسكري إلى علامة خطابية تختصر مؤسسة كاملة في صورة واحدة وصوت واحد.
لكن المفارقة الأهم أن هذه الصناعة الرمزية حملت معها خطراً معاكساً: حين تنجح المؤسسة في تركيز خطابها في شخصية واحدة، تصبح الشخصية نفسها جزءً من رأس مالها الرمزي، ومن هنا بدأ أبو عبيدة يتجاوز وظيفة الناطق إلى ما يمكن تسميته «شخصنة المؤسسة»؛ أي أن يصبح الرمز الفردي قادراً على تمثيل بنية جماعية بأكملها في الوعي العام.
أبو عبيدة وإدارة السردية
في الحروب الحديثة، لا تنتهي المعركة عند حدود الجغرافيا؛ ثمة ميدان آخر أقل صخباً وأكثر اتساعاً، إنّه ميدان المعنى، وفي هذا الميدان يصبح الميكروفون سلاحاً اتصالياً، وتتحول المعلومة إلى مادة لإدارة المواجهة، ويصبح توقيت نشرها جزءً من قيمتها السياسية.
هنا برز أبو عبيدة بوصفه أحد أبرز وجوه «المعركة على تفسير الحدث»، فالبيان كان محاولة لتقديم إطار تفسيري يسبق الرواية المقابلة أو ينافسها، ومن خلال الانتقائية في عرض المعلومات، وربط الأحداث برسائل سياسية ومعنوية، جرى الانتقال من إخبار الجمهور بما حدث إلى توجيه البوصلة التي يُقرأ بها ما حدث.
وهذه هي «هندسة المعنى»: أن لا تترك الحدث عارياً أمام التأويلات، وإنما تمنحه إطاراً لغوياً يحدد دلالته، لذلك لم تكن أهمية الخطاب في عدد كلماته، وإنما في قدرته على تحويل اللحظة العسكرية إلى رسالة سياسية، والإنجاز الميداني إلى مادة معنوية، والتهديد إلى ردع نفسي.
وفي المقابل، كانت "إسرائيل" تدير حرباً موازية على مستوى الصورة والرواية؛ ولذلك أصبح الصراع «حرب سرديات متوازية»، لا يملك فيها الطرف الذي يسيطر على الميدان بالضرورة السيطرة على تفسيره، ومن هنا اكتسب أبو عبيدة أهمية تتجاوز موقعه التنظيمي، لأنه أصبح جزءًا من معركة أوسع حول: من يروي؟ ومن يُصدَّق؟ ومن يمتلك حق تسمية الأشياء؟
لقد كان الميكروفون، بهذا المعنى، امتداداً للميدان لا بديلًا عنه؛ فالكلمة كانت إحدى أدوات خوض الحرب.
من اغتيال الشخص إلى استهداف الوظيفة.. لماذا كان أبو عبيدة هدفاً سياسياً وإعلامياً؟
إذا كان أبو عبيدة مجرد ناطق عسكري، فإن اغتياله يمكن أن يُقرأ باعتباره عملية تستهدف فرداً، لكن قراءة أكثر عمقاً تطرح سؤالاً مختلفاً: هل كان المستهدف شخص أبي عبيدة أم الوظيفة التي أصبح يؤديها؟
تكمن أهمية هذه النقطة في أن الناطق العسكري، في زمن الحرب الممتدة، لا يقوم فقط بنقل البيانات؛ إنه يؤدي وظيفة مركبة تجمع بين الاتصال، والردع، وإدارة الصورة، ورفع المعنويات، ومخاطبة الخصم، والتأثير في الجمهور الخارجي، ولذلك يمكن وصف هذه الوظيفة بأنها «البنية الصوتية للاشتباك»؛ أي المساحة التي تتحول فيها القوة الميدانية إلى خطاب قادر على الوصول إلى ما وراء حدود الميدان.
ومن هنا، يصبح استهداف الناطق محاولة لضرب إحدى حلقات إنتاج الرسالة، وربما إحداث «صدمة الصمت» داخل المنظومة الاتصالية: ماذا يحدث عندما يغيب الصوت الذي اعتاد الجمهور انتظار ظهوره في اللحظات المفصلية؟
لكن المفارقة الاستراتيجية هنا أن اغتيال الرمز لا يعني بالضرورة اغتيال وظيفته، وإنما قد يحدث العكس؛ إذ يمكن أن يتحول الغياب إلى مادة جديدة في صناعة الرمز، ويصبح استهداف الشخصية دليلاً إضافياً على وزنها في المواجهة، وهنا يظهر «ارتداد الرمز»؛ حين ينتقل أثر الشخصية من حضورها المباشر إلى تأثير غيابها.
وبذلك يصبح السؤال: هل استطاعت عملية استهدافه أن تعطل الوظيفة الاتصالية التي مثّلها، أم أنها كشفت فقط مقدار أهمية هذه الوظيفة في الحرب على الرواية؟
بعد أبو عبيدة.. هل انتقلت السردية من الشخص إلى المؤسسة؟
هنا تبلغ التجربة ذروتها التحليلية، فاستشهاد أبو عبيدة يضع المؤسسة أمام اختبار يتجاوز الحفاظ على البيانات العسكرية: هل تستطيع إعادة إنتاج الرمز دون الارتهان إلى الشخص؟
ظهور ناطق جديد يحمل الاسم نفسه يفتح الباب أمام تحول بالغ الدلالة؛ فالاسم الذي كان يُحيل إلى شخص بعينه بدأ يتحول إلى «هوية وظيفية»، أي اسم لا يعود تعريفًا لفرد، ولكن عنواناً لدور مؤسسي مستمر، وإذا صح هذا التأويل، فنحن أمام انتقال من «شخصنة الخطاب» إلى «مأسسة الرمز»؛ حيث لا يموت الرمز بموت حامله، لأن المؤسسة أعادت تعريفه بوصفه وظيفة قابلة للاستمرار.
وهنا تبرز مفارقة شديدة الأهمية: القناع الذي ساعد في البداية على إخفاء الشخص قد يصبح لاحقاً أداة لإثبات أن الشخص ليس هو القضية، فحين يتبدل صاحب الصوت وتبقى الهوية الرمزية، تصبح الرسالة واضحة: المؤسسة تريد أن تقول إن الناطق ليس بطلاً منفرداً، وإنما «واجهة متحركة لسردية ثابتة».
غير أن هذا الانتقال لا يخلو من مخاطرة؛ إذ إن قوة أبي عبيدة التاريخية ارتبطت بتراكم الثقة والاعتياد والرمزية الشخصية، وهي عناصر لا تُنقل آلياً إلى البديل، لذلك سيكون التحدي الحقيقي هو بناء «استمرارية الرمز» دون الوقوع في فخ تقليد الشخص.
وهنا تنتهي الحكاية من أبي عبيدة الفرد، لتبدأ مسألة أكثر عمقاً: هل استطاعت المؤسسة أن تجعل من غيابه اختباراً لرسوخ سرديتها، بحيث يصبح الرمز أكبر من صاحبه، والصوت قابلاً للاستمرار حتى عندما يتغير صاحبه؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي لمؤسسية السردية: أن يبقى المعنى حين يغيب صاحبه.
ختاماً.. وبعد عام، يصبح السؤال: ماذا فعل غياب أبو عبيدة بالرمز الذي صنعه؟
فحين يُغتال الصوت ولا تصمت الرسالة، وحين يرحل صاحب القناع ويبقى القناع عنواناً لوظيفة، يصبح الرمز أكبر من صاحبه، والسردية أوسع من حاملها.
أبو عبيدة لم يكن مجرد صوت في حرب؛ كان جزءًا من معركة على المعنى، وربما تكمن المفارقة الأشد قسوة في أن محاولة إسكات الصوت قد تكون قد نقلته من حضور الشخص إلى خلود الرمز.
فالاختبار الحقيقي هو أن تبقى السردية قادرة على الكلام حين يغيب الناطق، وهنا فقط، يُعرف الفرق بين صوتٍ يصنعه صاحبه، وصوتٍ تصنعه مؤسسة.

