تحولت العملية الأمنية التي أراد الاحتلال تنفيذها بهدوء والانسحاب من غزة أمس، إلى ساحة حرب بعد انكشاف أمر قوة مسلحة من العصابات المتعاونة مع الاحتلال من عناصر أمنية بغزة خاضت خلالها اشتباكات، بحيث تسترت العصابات داخل حافلة نقل بضائع ووصلت لأحد المباني الواقعة بمحيط منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، بهدف اختطاف مسؤول أمني.
وعلى مدار عدة دقائق من لحظة انكشاف أمر القوة قرابة الساعة العاشرة والنصف صباحا، دوت أصوات الاشتباكات المتبادلة في مسرح الحدث، ليتدخل الطيران الإسرائيلي الذي شن نحو 17 غارة وقصف مفترقات وسيارات مدنية وأبنية سكنية بهدف فتح ممر لانسحاب القوة التي خرجت تحمل عدة قتلى وجرحى أصيبوا في أثناء الاشتباكات، بحيث استخدم سياسة الأرض المحروقة وارتكب خلالها جرائم أدت لاستشهاد أطفال ومارة في أثناء فرار أفراد العصابات العميلة.
ولم يسجل الميدان نجاح أي عملية أمنية نفذها الاحتلال في قطاع غزة، حيث جرى اكتشاف جميع العمليات وخوض اشتباكات ووقوع خسائر سواء كالتي نفذها الاحتلال بواسطة جنوده كحادثة حد السيف التي استشهد فيها القائد في كتائب القسام نور بركة وقتل خلالها قائد القوة الإسرائيلية الخاصة وأصيب آخر بعد انكشاف أمرها، ما اضطره لتدخل الطيران لتوفير ممر لفرار القوة، إضافة لعملية أمنية نفذها جنود الاحتلال بمخيم النصيرات خلال الإبادة وانكشف أمرها مما اضطر لتدخل الطيران لسحب القوات وارتكاب مجازر أدت لاستشهاد عشرات المواطنين.
انكشاف القوة
ورأى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج أن العملية محاولة جديدة للاحتلال لاختراق البيئة الأمنية داخل غزة باستخدام مليشيات عميلة وليس مجرد حادث أمني منفصل، بل أنه يحاول تدمير بنية المجتمع نفسه عبر خلق بؤر للفوضى واستهداف شخصيات او مجموعات بعينها بما يخدم أهدافا عسكرية وسياسية في آن واحد.
وقال الحاج لصحيفة "فلسطين": إن "انكشاف العملية والتعامل معها أمنيا وميدانيا يكشف أيضا حدود هذا النوع من العمليات خصوصا عندما تفشل القوة في تحقيق هدفها وتتحول من أداة اختراق إلى نقطة اشتباك مكشوفة في وقت اعتقد فيه أن الجبهة الداخلية مكشوفة ومن السهل عليه تنفيذ هكذا عمليات بسهولة.
وأضاف، أن انكشاف القوة وتحول العملية إلى اشتباك ثم اضطرار الطيران للتدخل يمثل فشلا في عنصر أساسي من هذا النوع من العمليات وهو السرية والمباغتة والقدرة على الانسحاب بهدوء والأهم من ذلك أن الحادث يكشف أن الاحتلال لا يعمل فقط عبر القوة العسكرية المباشرة بل يحاول بناء شبكات نفوذ وأدوات محلية لتنفيذ مهام أمنية داخل غزة.
واللافت هو الفارق بين الخطاب السياسي والإعلامي الأول الذي استخدمه قادة الاحتلال ويميل إلى إعادة تضخيم أي اختراق أمني وتقديمه باعتباره إنجازا وبين انخفاض مستوى التناول عندما بدأت تفاصيل العملية تتكشف.
وذكر أنه عندما يتضح أن العملية لم تحقق هدفها كما أعلن عنها في البداية يصبح من الصعب الحفاظ على الرواية الأولى دون الوقوع في تناقضات. كما أن طبيعة العملية نفسها حساسة لأن الحديث عن قوة تعمل داخل غزة بالتنسيق مع مليشيات عميلة يفتح أسئلة محرجة حول طبيعة هذه المجموعات ودورها ومن يقف خلفها.
وأكد أن تدخل الطيران لإنقاذ القوة يغير صورة العملية من عملية ناجحة إلى عملية واجهت خطرا أمنيا واضطرت إلى استخدام قوة عسكرية لإنقاذ عناصرها، معتقدا أنه "قد يكون التراجع الإعلامي محاول لخفض سقف الرواية بعد أن اتضح أن الميدان لم يطابق الصورة التي يحاول بعض قادة الاحتلال تقديمها".
وبشأن تداعيات الفشل على الاحتلال، رأى أنه قد ينعكس على الاحتلال أمنيا واستخباريا وسياسيا وإعلاميا في آن واحد، فهو يفرض عليه إعادة تقييم قدرته على تنفيذ عمليات سرية داخل غزة ويطرح أسئلة حول جودة المعلومات ومصادرها وقدرته على حماية المليشيات العميلة.
كما أن انكشاف القوة وتحول العملية إلى اشتباك واضطرار الطيران للتدخل يرفع كلفة أي عمليات مماثلة ويضعف الثقة بالمليشيات العميلة التي يعتمد عليها إما إعلاميا أو سياسيا. وتكشف حدود قدرة الاحتلال على العمل داخل البيئة الغزية دون انكشاف وما يترتب على ذلك من كلفة أمنية وسياسية أكبر. وفق الحاج
استهداف بيئة أمنية
ورأى الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا أن استخدام مليشيات الاحتلال أو الاستعانة بها لا يغيران طبيعة العملية، فالمعيار الأساسي هو الجهة التي تخطط وتوجه وتوفر الغطاء والمصلحة السياسية والأمنية وليس فقط هوية المنفذ المباشر.
ويعتقد القرا أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء غزة في حالة هشاشة أمنية حتى بعد تراجع العمليات العسكرية الواسعة، بحيث تنتقل من القصف والاجتياح إلى الاغتيالات والاختراقات والعمل الاستخباري وتوظيف الوكلاء.
وحول الهدف من العملية، أشار إلى أنه يتجاوز تصفية أفراد بعينهم إلى ضرب قدرة المؤسسات الأمنية على استعادة حضورها بعد الحرب ومنع تشكل حالة من الاستقرار الداخلي يمكن أن تعيد تنظيم الحياة العامة وإدارة القطاع.
وأشار إلى أن نتنياهو يدخل مرحلة انتخابية يحتاج فيها إلى تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي، وسيحاول توظيف أي عملية من هذا النوع انتخابيا باعتبارها دليلا على استمرار الضغط على غزة والقدرة على تنفيذ عمليات نوعية، خصوصا في ظل الانتقادات الداخلية المتعلقة بنتائج الحرب وعدم تحقيق صورة نصر حاسمة.
في حين يعتقد الكاتب هلال نصار أن حالة الوعي المجتمعي والمشاركة الشعبية ساعدتا في كشف الحدث، إضافة إلى السيطرة والمباغتة بعد كشف القوة المعادية والاشتباك المباشر معها وإيقاع خسائر في صفوفها، فضلا عن اغتنام بعض أسلحة القوة بعد فرارها.
ويرى نصار أن نجاح استهداف الشخص المقصود من عدمه ليس النقطة الأهم في تقييمها، لكون هذا النوع من العمليات مرشحة للتكرار، وعليه فالنقطة الأهم أن العملية وقعت في مساحة 30% من القطاع، وبعد ثلاث سنوات من الحرب والاستنزاف في وقت اعتقد الاحتلال أنه نجح في تقويض المقاومة، بينما لا يزال يلجأ إلى الأدوات نفسها التي استخدمها في المراحل السابقة، كالقصف على نطاق واسع، والأحزمة النارية والطائرات وغيرها من أدوات القوة العسكرية والاستخباراتية.
كان من المفترض أن تصبح العملية أكثر سهولة في نظر الاحتلال، لكن استمرار التعقيد العملياتي والاستخباراتي، يكشف أن البيئة في غزة لا تزال ثابتة وتأبي السقوط.

