لم تقتصر أدوات الحرب الإسرائيلية على الطائرات والصواريخ والدبابات خلال العدوان على قطاع غزة، إذ أصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة العمليات العسكرية، من خلال تقنيات قادرة على جمع كميات هائلة من المعلومات وربطها وتحليلها للمساعدة في التخطيط والاستهداف.
وفي قلب هذه المنظومة تبرز شركة "بالانتير تكنولوجيز" الأميركية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الجسور بين وادي السيليكون والمؤسسات العسكرية والأمنية، قبل أن تعزز ارتباطها بـ"إسرائيل" خلال الحرب على غزة.
في يناير/كانون الثاني 2024، أعلنت "بالانتير" اتفاق شراكة استراتيجية مع وزارة الحرب الإسرائيلية، بعد اجتماع لمجلس إدارتها في "تل أبيب"، وقالت إن الطرفين اتفقا على توظيف تقنيات الشركة في "مهام مرتبطة بالحرب".
وجاء الإعلان بعد أشهر من بدء الحرب على غزة، وفي وقت كانت فيه "إسرائيل" تكثف عمليات القصف والاستهداف في القطاع.
ولم تكن العلاقة بين الطرفين وليدة الحرب؛ إذ تمتلك "بالانتير" علاقات طويلة مع المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، لكن الشركة قالت إن الطلب على منتجاتها ارتفع بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإنها بدأت توفير منتجات مختلفة عما كانت تقدمه لـ"إسرائيل" قبل الحرب.
وهنا تبرز أهمية الشركة: فهي لا تنتج الطائرات أو الصواريخ التي تنفذ الضربات، لكنها تطور أنظمة برمجية مصممة لدمج البيانات وتحليلها وتحويلها إلى معلومات قابلة للاستخدام العسكري.
تعتمد الحروب الحديثة على تدفق هائل للمعلومات: بيانات الاتصالات، ومواقع الهواتف، وصور الأقمار الصناعية، ومعلومات الطائرات المسيّرة، والسجلات الاستخباراتية وغيرها.
وتسمح أنظمة تحليل البيانات بربط هذه المصادر في منظومة واحدة، بما يساعد الجيوش على اكتشاف الأنماط وتحديد الأشخاص أو المواقع التي تعتبرها أهدافًا.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن "إسرائيل" والجيش الأميركي يتجهان بصورة متزايدة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، فيما تؤكد "بالانتير" أن تقنياتها مصممة لمساعدة المؤسسات العسكرية على إدارة البيانات واتخاذ القرارات. وقد وثق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن "إسرائيل" أبرمت مع "بالانتير" شراكة استراتيجية عام 2024 لتوظيف تقنياتها في "مهام مرتبطة بالحرب".
غزة.. مختبر للقتل المدعوم بالبيانات
وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام الجيش الإسرائيلي أدوات رقمية وذكاء اصطناعي في غزة للمساعدة في تحديد الأهداف واتخاذ قرارات عسكرية.
وقالت المنظمة إن أربعة أنظمة رقمية درستها تستخدم بيانات غير دقيقة وتقديرات تقريبية للمساعدة في تحديد الأهداف أو التخطيط العسكري، محذرة من أن هذه الأدوات قد تزيد مخاطر انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية وواجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.
ومن بين الأنظمة التي وثقتها المنظمة أدوات تحمل أسماء "The Gospel" و"Lavender" و"Where's Daddy?"، وهي أنظمة مرتبطة بعمليات تحديد الأهداف أو تتبع الأشخاص والمواقع.
وتوضح "هيومن رايتس ووتش" أن هذه الأنظمة ليست أسلحة مستقلة بالكامل؛ فالقرار النهائي بالهجوم يظل، من الناحية الرسمية، بيد البشر. لكن المشكلة تكمن في أن الخوارزمية تستطيع إنتاج كميات ضخمة من التوصيات والمعلومات التي تدخل في عملية اتخاذ القرار العسكري.
لا توجد أدلة علنية كاملة تسمح بالقول إن كل نظام إسرائيلي للذكاء الاصطناعي المستخدم في غزة هو من إنتاج "بالانتير"، كما أن الشركة نفت تحديدًا أن تكون مسؤولة عن تطوير أنظمة "لافندر" أو "ذا غوسبل" المستخدمة في الاستهداف.
لكن وثائق الشركة وتقاريرها تؤكد وجود شراكة مباشرة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لدعم «مهام مرتبطة بالحرب»، فيما ربطت تقارير إعلامية وتحليلات لاحقة منتجات الشركة وفرق الدعم التابعة لها بعمليات تحليل البيانات والاستهداف الإسرائيلية. كما أقر تقرير قدمته "بالانتير" إلى هيئة الأوراق المالية الأميركية عام 2026 بوجود تقارير تربط منصتها وخدمات الدعم التي تقدمها بعمليات تحديد الأهداف لدى الجيش الإسرائيلي، مع تأكيد الشركة نفي مسؤوليتها عن تطوير أنظمة "لافندر" و"ذا غوسبل".
وبذلك، فإن دور "بالانتير" لا يمكن اختزاله في صورة "خوارزمية تطلق الصاروخ"، بل في توفير البنية البرمجية التي تساعد المؤسسة العسكرية على التعامل مع البيانات، وربط مصادر المعلومات، وتسريع دورة اتخاذ القرار.
تكمن إحدى أخطر نتائج إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الحروب في قدرته على تقليص الوقت بين جمع المعلومات واتخاذ القرار.
فكلما أمكن للنظام معالجة بيانات أكثر خلال وقت أقصر، أصبح بالإمكان إنتاج عدد أكبر من التوصيات أو الأهداف، ومراقبة تحركاتها بصورة مستمرة.
وهذا ما يجعل التكنولوجيا ذات أهمية خاصة في حرب كثيفة القصف مثل غزة، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين في منطقة جغرافية شديدة الاكتظاظ.
وقد حذرت "هيومن رايتس ووتش" من أن الاعتماد على البيانات غير الدقيقة والتقديرات الآلية في تحديد الأهداف يمكن أن يزيد مخاطر إصابة المدنيين، خصوصًا عندما تكون المعلومات المستخدمة قديمة أو ناقصة أو مبنية على افتراضات غير دقيقة.
وبالتالي، فإن مساهمة شركات التكنولوجيا في الحرب لا تتوقف عند تصنيع السلاح؛ فقد تكون البرمجيات نفسها جزءًا من البنية التي تجعل استخدام القوة أسرع وأوسع نطاقًا.
تأسست "بالانتير" أصلًا على فكرة استخدام البيانات لخدمة المؤسسات الأمنية، وحصلت في سنواتها الأولى على دعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عبر ذراعها الاستثمارية "إن-كيو-تيل".
ومع توسع الشركة، أصبحت تقنياتها مستخدمة لدى مؤسسات عسكرية وأمنية أميركية، قبل أن تنتقل إلى حلفاء واشنطن.
ويرى الرئيس التنفيذي أليكس كارب أن شركات التكنولوجيا لا ينبغي أن تنأى بنفسها عن الجيوش، بل يجب أن تشارك بصورة مباشرة في تطوير القدرات العسكرية، خصوصًا في مجال الذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن تعاون "بالانتير" مع "إسرائيل" ليس مجرد عقد تجاري عادي، بل يأتي في إطار رؤية أوسع للشركة تعتبر التكنولوجيا والجيش والدولة أجزاء من منظومة واحدة.
لم تقتصر الانتقادات على منظمات حقوق الإنسان؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، تخلت شركة إدارة الأصول النرويجية "Storebrand" عن استثمارها في "بالانتير"، والذي بلغت قيمته نحو 24 مليون دولار، بسبب مخاوف من أن تؤدي أعمال الشركة مع إسرائيل إلى تعريضها لمخاطر مرتبطة بانتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
وقالت "Storebrand" إن تحليلها أشار إلى أن منتجات وخدمات "بالانتير" تشمل تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتدعم عمليات المراقبة الإسرائيلية للفلسطينيين.
كما أدرج تقرير للمقررة الأممية الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، "بالانتير" ضمن الشركات التي تعرضت لانتقادات بسبب علاقاتها الوثيقة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في سياق بحثها في الشركات التي قد تكون مستفيدة أو مساهمة في الانتهاكات المرتبطة بالحرب على غزة.
المسألة الأهم ليست ما إذا كانت "بالانتير" هي التي أطلقت الصاروخ، وإنما السؤال عن المسؤولية عندما توفر شركة خاصة التكنولوجيا التي تساعد جيشًا على تحديد أهدافه وإدارة عملياته العسكرية.
فالخوارزمية لا تحتاج إلى حمل السلاح حتى تصبح جزءًا من الحرب.
عندما تجمع البرمجيات البيانات، وتربط المعلومات، وتحدد الأنماط، وتساعد في تعقب الأشخاص والمواقع، فإنها تصبح حلقة في سلسلة تبدأ بالمعلومة وتنتهي بالقرار العسكري.
وفي حالة غزة، اكتسب هذا الدور حساسية مضاعفة في ظل الحجم الهائل للدمار والضحايا، والاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية، وهي اتهامات تجعل أي مساهمة تقنية في العمليات العسكرية محل تدقيق قانوني وأخلاقي متزايد.
وهكذا، لا تتمثل قصة "بالانتير" في شركة تكنولوجيا "تصنع القنابل"، بل في شركة طورت نموذجًا مختلفًا من المشاركة في الحرب: تحويل البيانات إلى قدرة عسكرية، والقدرة العسكرية إلى قرارات أسرع، والقرارات إلى عمليات على الأرض.
وبينما تنفي الشركة مسؤوليتها عن بعض أنظمة الاستهداف الإسرائيلية، فإن شراكتها المعلنة مع وزارة الحرب الإسرائيلية لدعم "المهام المرتبطة بالحرب" تجعل دورها في البنية التكنولوجية للحرب على غزة موضع مساءلة متزايدة، خصوصًا مع تصاعد الدعوات إلى محاسبة كل الجهات التي أسهمت في تمكين العمليات التي أوقعت هذا الحجم من الخسائر بين المدنيين.

