يجد متضررو ونازحو قطاع غزة أنفسهم أمام أزمة سكن تتفاقم مع غياب البدائل واستمرار تقييد إدخال مواد البناء بين خيام أنهكها طول النزوح وركام المنازل. ومع تدهور ظروف الإيواء، تتجدد مطالبهم بتوفير وحدات سكنية مؤقتة تحمي الأسر، والسماح بإدخال مستلزمات البناء والترميم ليتمكنوا من إصلاح ما تبقى من منازلهم والعودة إليها، ولو بصورة جزئية.
ويقول متضررون لصحيفة "فلسطين" إنهم يعيشون أوضاعًا بالغة الصعوبة داخل خيام لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، مشيرين إلى أن الخيام التي يستخدمونها منذ فترات طويلة تعرضت للتلف والاهتراء بفعل أشعة الشمس والعوامل الجوية، وأصبحت بحاجة ماسة إلى الاستبدال.
ويطالب النازحون بأن تكون الوحدات السكنية المؤقتة، بما فيها الكرفانات أو المساكن الجاهزة، حلًا عاجلًا ومرحليًا لحماية الأسر، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، بالتوازي مع إدخال مواد البناء اللازمة لترميم المنازل المتضررة وإجراء الإصلاحات الجزئية التي تسمح للعائلات بالعودة إلى ما يمكن إنقاذه من مساكنها.
وتقول المتضررة أم فؤاد الحطاب إن الخيمة قد تسترنا، لكنها لا تحمينا، موضحة أنها تتحول في فصل الصيف إلى مكان شديد الحرارة، بينما لا تقي في الشتاء من البرد أو مياه الأمطار.
وتضيف الحطاب لصحيفة "فلسطين": كلما هطلت الأمطار نعيش في خوف من أن تتسرب المياه إلى داخل الخيمة وتفسد ما نملكه.
ولا تقتصر معاناة الأسرة على سوء ظروف الخيمة، إذ تشير الحطاب إلى أن ضيق المساحة يمثل معاناة أخرى، موضحة أن أفراد الأسرة يعيشون جميعًا في مساحة صغيرة جدًا، من دون خصوصية أو مساحة كافية للأطفال للنوم والدراسة.
وتقول: الأطفال يحتاجون إلى مكان للنوم والدراسة، ونحن بحاجة إلى مساحة نعيش فيها بكرامة، لكن الخيمة لا توفر ذلك.
وتشير إلى أن الظروف الاقتصادية والمعيشية للأسرة ازدادت صعوبة بعد فقدان الزوج عمله، فأصبح تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وملابس ومستلزمات الأطفال أمرًا شاقًا، في وقت تضم فيه الأسرة أبناءً ما زالوا على مقاعد الدراسة.
غياب البدائل
وفي غياب البدائل يستعد المتضرر محمد حسين للانتقال إلى موقع منزله المدمر، بعدما أبلغته مؤسسة دولية بضرورة إخلاء المدرسة التي كانت تؤوي أسرته، بالتزامن مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد.
ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر، يعمل حسين على إزالة الركام من موقع منزله، في محاولة لتجهيز المكان ونصب خيام لإيواء نحو ثلاث أسر من أبنائه وإخوته، يزيد عدد أفرادها على 20 شخصًا.
ويقول لصحيفة "فلسطين": منذ أكثر من ثلاثة أشهر وأنا أزيل الركام من منزلي بجهد شخصي، والآن أحاول تجهيز المكان لنصب الخيام وإنشاء غرف مؤقتة من ألواح الصفيح والزينكو، حتى أتمكن من توفير مكان يأوي أبنائي وإخوتي.
ويصف حسين ظروف المعيشة الحالية بأنها حياة بدائية بكل معنى الكلمة، موضحًا أن المكان الذي يستعد للعيش فيه يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ويضيف: إذا قارنت حياتنا اليوم بما كانت عليه قبل الحرب، أشعر أننا انتقلنا من حياة كاملة إلى حياة بدائية. قبل الحرب كان لدينا منزل من ثلاثة طوابق، مجهز بالكهرباء والمياه وجميع الأجهزة والاحتياجات الأساسية للحياة، أما اليوم فلا توجد إنارة، ولا مياه، ولا أي من مستلزمات الحياة التي اعتدنا عليها.
ويشير إلى أن الانتقال إلى موقع المنزل المدمر لم يكن خيارًا مفضلًا، وإنما جاء نتيجة اضطرار الأسر إلى مغادرة المدرسة التي كانت تؤويهم، مع اقتراب بدء العام الدراسي، وعدم وجود بديل مناسب.
أخطر تداعيات الدمار
ويرى خبير البنية التحتية والإسكان، م. محمد حسين العسكري، أن قطاع غزة يواجه دمارًا غير مسبوق، مشيرًا إلى أن الإحصائيات الأولية تظهر تدمير أكثر من 450 ألف وحدة سكنية بشكل كامل أو جزئي، ما أدى إلى تشريد مئات آلاف الأسر وفقدانها مساكنها واستقرارها.
ويضيف العسكري أن ما يقارب 80% من البنية التحتية تعرضت لأضرار جسيمة، شملت شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والكهرباء، وهو ما أدى، وفق تقديره، إلى انهيار شبه كامل في قدرة المدن والأحياء السكنية على العمل بصورة طبيعية.
ويشير إلى أن الدمار طال كذلك القطاعين الصناعي والزراعي، موضحًا أن القطاع الصناعي تعرض للتدمير والشلل شبه الكامل، فيما تضرر القطاع الزراعي بما يزيد على 90%، نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وشح الموارد وتعطل سلاسل الإنتاج، الأمر الذي فاقم أزمة الأمن الغذائي وزاد الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
ويحذر العسكري من أن أزمة الإيواء باتت من أخطر تداعيات الدمار، في ظل انتشار مئات مراكز النزوح التي تعتمد على الخيام والحلول المؤقتة، والتي لا توفر الحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية ولا تصلح للاستقرار طويل الأمد.
كما يشير إلى مشكلة الركام، موضحًا أن أكثر من 60 مليون طن منه يغطي المدن والطرقات والمناطق السكنية، ما أدى إلى تعطيل الحركة والخدمات، وأصبح عائقًا أمام أي عملية تعافٍ أو إعادة إعمار، فضلًا عن المخاطر البيئية والصحية الناجمة عن اختلاطه بالمخلفات المختلفة.
ويشدد العسكري على أن المطلوب اليوم يتجاوز الإغاثة المؤقتة نحو مسار شامل وفوري لإعادة الإعمار، يبدأ برفع القيود عن مواد البناء، وإزالة الركام، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتمكين الجهات المختصة من مباشرة عملها داخل القطاع.
ويشير إلى إعداد أكثر من 17 خطة دولية لإعادة إعمار غزة، في ظل غياب خطة وطنية متفق عليها، داعيًا إلى توحيد هذه الجهود والانطلاق نحو خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار.
ويؤكد أن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تعني مجرد إعادة بناء ما كان قائمًا قبل الدمار، بل يجب أن تكون فرصة لإعادة تخطيط المناطق السكنية وتنظيم النسيج العمراني وتطوير البنية التحتية بما يحسن جودة الحياة ويعزز قدرة السكان على الصمود.
ومن منظور هندسي وفني، يشدد العسكري على ضرورة أن تقوم عملية الإعمار على بيانات موثقة ومنهجيات شفافة قابلة للتحقق، وبمشاركة جهات تقييم دولية معتمدة، معتبرًا أن الركام يمكن التعامل معه بوصفه موردًا اقتصاديًا وهندسيًا قابلًا لإعادة التدوير.
كما يؤكد ضرورة إدخال مئات المعدات والآليات الهندسية الثقيلة، إلى جانب وحدات السكن المؤقت، بما فيها الكرفانات والوحدات السكنية مسبقة الصب، وإنهاء معاناة أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون في الخيام ووسط الركام، فضلًا عن السماح بإدخال مواد البناء اللازمة لترميم المنازل والمرافق الصحية والتعليمية المتضررة جزئيًا.