يقترب الشتاء من غزة، بينما تقترب معه لحظة أخرى من امتحان الضمير الإنساني، فهناك في تلك البقعة المحاصرة ما يقارب مليونًا وسبعمائة ألف نازح، لا ينتظرون موسمًا جديدًا من المطر، وإنما ينتظرون سقفًا يحمي أطفالهم من البرد، ومأوى يحفظ أجسادهم من الماء والوحل، وخيمة لا تنهار فوق رؤوسهم حين تهب الرياح. هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير المنظمات الدولية، ولا كتلة بشرية تنتظر دورها في طوابير المساعدات، إنهم بشر لهم أسماء ووجوه وأطفال وأمهات وشيوخ وأحلام صغيرة، كان أكبرها أن يعيشوا في بيت آمن، ثم صار أقصى ما يرجونه أن تنجو خيمتهم من ليلة ماطرة.
لقد تحولت الخيمة في غزة من رمز مؤقت للنزوح إلى عنوان دائم للمأساة، خيام أنهكتها الشمس، ومزقتها الرياح، وتآكلت أقمشتها، وتسللت إليها الرطوبة، ولم تعد قادرة على مواجهة شتاء جديد، وفي داخل كل خيمة قصة إنسان اقتُلع من منزله، ودُفع إلى مكان آخر، ثم إلى مكان ثالث، حتى فقد معنى الاستقرار نفسه. إن الأسرة التي تنام فوق الأرض، وتستيقظ على البلل، وتضع ما تبقى من أمتعتها في أكياس بلاستيكية، لا تحتاج إلى خطب عن الإنسانية بقدر ما تحتاج إلى إنسانية حقيقية تصل إليها قبل أن تصل العاصفة.
ماذا يعني أن يحدث العالم عن السلام، بينما ينام طفل فلسطيني تحت قطعة قماش ممزقة، ينتظر المطر؟ ماذا يعني أن تتحدث المؤسسات الدولية عن القانون والكرامة الإنسانية، بينما لا يجد النازح مكانًا جافًا يضع فيه جسده المنهك؟ ماذا تعني كل المواثيق الدولية إذا كان الإنسان الذي يفترض أن تحميه هذه المواثيق عاجزًا عن حماية أطفاله من برد الشتاء؟ إن القانون الإنساني الدولي لم يوضع ليكون نصًا محفوظًا في الوثائق، وإنما ليحمي الإنسان عندما يصبح أكثر ضعفًا، وليفرض على الأطراف والمجتمع الدولي مسؤوليات واضحة تجاه المدنيين الذين اقتلعتهم الحرب من مساكنهم، وأفقدتهم مقومات الحياة.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: فأين مجلس السلام؟ إن كان السلام اسمًا لمشروع سياسي جديد، فإن غزة هي المكان الذي يجب أن يخضع فيه هذا المشروع لأول امتحان حقيقي؛ لأن السلام الذي لا يفتح المعابر أمام أدوات الإيواء، ولا يؤمن خيامًا صالحة للسكن، ولا يحمي الأطفال من الشتاء، يتحول إلى مجرد مصطلح سياسي بلا مضمون. إن السلام الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان الضعيف أن العالم يراه ويسمعه ويحميه، لا حين تتكاثر البيانات في العواصم وقاعات المؤتمرات.
إن مليونًا وسبعمائة ألف نازح لا يحتاجون إلى وعد مؤجل، ولا إلى تعاطف موسمي، إنهم يحتاجون الآن إلى خطة إيواء عاجلة وشاملة تتناسب مع حجم الكارثة، وإلى إدخال الخيام المقاومة للظروف الجوية، ومواد العزل، والأغطية، والفرش، ووسائل التدفئة الآمنة، وأدوات إصلاح الخيام، ومستلزمات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وكل ما يجعل المأوى الإنساني مأوى بالمعنى الحقيقي للكلمة. فالكرامة ليست طعامًا فقط، والنجاة ليست دواءً فقط، والحق في الحياة لا يكتمل إذا كان الإنسان مهددًا بالموت من البرد والمياه والأمراض التي تتكاثر في بيئة النزوح.
تخيلوا للحظة أنكم تنامون مع أطفالكم في خيمة مهترئة، وأن المطر بدأ يتساقط، وأن المياه أخذت طريقها إلى فراشكم، وأن الطفل يرتجف من البرد، وأن الأم تحاول أن تمنع الماء بقطعة قماش، وأن الأب يبحث في الظلام عن أي شيء يسد به فتحة في سقف الخيمة. تخيلوا أن كل ما تملكونه موجود تحت أقدامكم، وأنكم لا تستطيعون العودة إلى بيت؛ لأنه لم يعد موجودًا أصلًا، ثم تخيلوا أن العالم كله يعرف ذلك، ومع ذلك لا يصل إليكم ما تحتاجونه للبقاء، فهل يمكن بعد ذلك أن نتحدث عن الضمير الإنساني بصورته التي نعرفها؟
إن مأساة غزة لا تختبر قدرة المنظمات الإنسانية وحدها، وإنما تختبر المعنى الحقيقي للإنسانية في هذا العصر، وتختبر صدق النظام الدولي في حماية المدنيين، وتختبر قيمة القانون حين يتحول النص إلى مسؤولية، وتختبر مجلس السلام في أول واجباته. فليس المطلوب أن ينتظر النازح نهاية الشتاء حتى تتحرك السياسة، وليس مقبولًا أن تصبح حماية المدنيين مسألة تفاوضية، بينما المطر لا يتفاوض، والبرد لا يتفاوض، والمرض لا يتفاوض، والموت لا ينتظر توقيع اتفاق.
غزة اليوم تضع العالم أمام مرآته، فمن يملك القدرة على إدخال أدوات الإيواء ثم يتأخر عنها يعرف حجم المسؤولية التي يحملها، ومن يستطيع أن يفتح الطريق أمام المساعدات ثم يترك الخيام تنهار، يعرف أن الصمت في مثل هذه الظروف ليس حيادًا، إنما هو عجز أخلاقي عن حماية إنسان يعرف الجميع أنه في حاجة إلى الحماية.
يا مجلس السلام، إن أردتم للسلام أن يكون اسمًا له معنى، فابدؤوا من خيمة النازح قبل طاولة المفاوضات، ابدؤوا من الطفل قبل البيانات، ومن الأم قبل المؤتمرات، ومن الإنسان قبل السياسة. افتحوا الطريق أمام الإيواء الكريم، وأدخلوا ما يكفي لحماية مليون وسبعمائة ألف نازح من شتاء قاسٍ، فإنقاذ الإنسان ليس تفصيلًا في مشروع السلام، بل هو جوهر السلام نفسه.
فالشتاء قادم، وغزة لا تملك ترف الانتظار، والخيام لا تحتمل مزيدًا من التأجيل، والنازحون لا يريدون من العالم شفقة، وإنما يريدون حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان: يريدون سقفًا لا يسقط، ومأوى لا يغرق، وغطاءً يقي أطفالهم البرد، وكرامة لا تكون رهينة للمساومات السياسية. فإذا عجز العالم عن حماية طفل تحت المطر، فأي سلام هذا الذي نتحدث عنه، وأي ضمير إنساني بقي لنا؟

