حتى وقت قريب، كان شعار العرب "الأرض مقابل السلام"، بكل ما حمله من أوهام وتنازلات واختلالات، وكان يفترض أن هناك قضية سياسية وأرضًا محتلة وشعبًا له حقوق وطنية، وأن الطريق إلى السلام يمر عبر معالجة ذلك كله، الأرض والسيادة والحقوق، أما اليوم، فيبدو أن المعادلة تتغير حتى تكاد تكون "الأرض مقابل السلامة".
في "قصرة"، كما في قرى كثيرة، لم يعد السؤال فقط من يملك الأرض، بل من يستطيع البقاء، عائلات تحاصر، أشجار تُقلع، ممتلكات تُحرق، وإرهاب المستوطنين يتكرر حتى يكاد الخبر يفقد القدرة على الصدمة، وهنا لا يكفي أن نصف ما يحدث بأنه "عنف"، فالاستيطان ليس مجرد بيوت بُنيت على تلال الضفة، ولا خرائط تتوسع، لأن الاستيطان يعيد تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا معًا، وحين يصبح الوصول إلى الأرض خطرًا، والطريق للبيت غير آمن، فالسيطرة على الأرض يمكن أن تتحقق من دون أن يحتاج كل شبر إلى قرار رسمي بالمصادرة.
فالإرهاب يمكن أن يصبح أداة للسيطرة، وهذا هو البعد الاستعماري الذي يضيع وسط التفاصيل اليومية، فالمسألة ليست فقط ماذا يفعل المستوطن، بل ماذا ينتج عن ذلك على الأرض؟ وهل يبقى الفلسطيني في مكانه يمارس حياته؟ أم تصبح الحياة نفسها عملية تفاوض يومية مع الخوف؟ وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، لا يعود "العنف" منفصلًا عن الاستيطان، بل أحد أدواته.
ولفهم ذلك، علينا النظر إلى الصورة الأوسع، فما جرى في غزة خلال السنوات الماضية كشف شيئًا أكبر من حجم المأساة الإنسانية وحدود النظام العربي والدولي في إنتاج الردع، في حين بقي الموقف العربي والفلسطيني الرسمي عاجزًا عن فرض أي كلفة سياسية تغير المعادلة، هذا العجز لم يبق محصورًا في غزة، فالمستوطن الذي لا يحاسب على أفعاله، ويرى توسعًا استيطانيًا مستمرًا، يقابله رد فعل عربي ودولي بارد لا يتجاوز سقف الإدانة، تلقى رسالة واضحة، وهي أن الطريق مفتوح للمزيد.
والأمر لا يتعلق فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بتراجع سياسي عربي طويل، انتقلت خلاله القضية من كونها قضية مركزية إلى ملف تتعامل معه الدول بحسب مصالحها وحساباتها المباشرة، ولعل الأونروا تقدم المثال الأوضح على هذا التحول، فالقضية التي بدأت كقضية شعب اقتُلع من أرضه يمكن - إذا تغير إطار النظر إليها - أن تتحول تدريجيًا من قضية سياسية تتعلق بالاقتلاع والحقوق والعودة إلى قضية وكالة تقدم الخدمات لمن تبقى من اللاجئين.
فالأونروا لم تكن مجرد وكالة تقدم الغذاء والتعليم والرعاية الصحية للاجئين، فوجودها نفسه كان تذكيرًا للعالم بأن هناك قضية لم تُحل، وأن وراء المخيم و"كرت المؤن" قصة اقتلاع وتهجير لم تنتهِ، ولهذا فإن إضعافها أو تفكيكها لا يعني فقط خسارة مؤسسة إنسانية، بل يفتح الباب أمام تحويل قضية اللاجئين تدريجيًا من قضية سياسية إلى قضية خدمات يمكن إيكالها لمؤسسات أخرى، وهنا تلتقي غزة والضفة والأونروا في صورة واحدة، ففي غزة، يمكن اختزال الكارثة في المساعدات وإعادة الإعمار، وفي الضفة يمكن اختزال القضية في الأمن وإرهاب المستوطنين، وبالنسبة للاجئين يمكن اختزال القضية في الخدمات، وفي الحالات الثلاث يبرز خطر واحد، وهو تفتيت القضية السياسية إلى ملفات إنسانية وأمنية منفصلة؛ لاجئ بلا قضية، وفلسطيني في الضفة بلا أرض أو أمن، وفي غزة ينتظر المساعدات وإعادة الإعمار، بينما القضية الحقيقية خارج المشهد.
وبالتالي، بدلًا من أن يكون السؤال: كيف ينتهي الاحتلال ويستعيد الفلسطيني حقوقه؟ يصبح: كيف نساعد الفلسطيني على تحمل الاحتلال؟ وبدلًا من أن يكون اللاجئ صاحب حق، يصبح متلقي خدمة، وبدلًا من أن تكون الأرض قضية تحرر وسيادة، تصبح موضوعًا للحماية والسلامة، وبذلك نعود إلى "قصرة" مرة أخرى، فحصار العائلات داخل بيوتها ليست مجرد حالات تحتاج إلى حماية مؤقتة، بل إن هناك شعبًا كاملًا يدفعه الواقع إلى الدفاع عن حقه في مجرد البقاء، وهنا يصبح السؤال "من التالي؟"، والمقصود ليس القرية التالية، بل المرحلة التالية من القضية نفسها، فهل يبقى صاحب قضية سياسية وحقوق وطنية وحق في الأرض والعودة، أم يتحول تدريجيًا إلى مجموعة ملفات منفصلة؛ لاجئ يحتاج إلى مساعدة، وعائلة تحتاج إلى حماية، وأرض تحتاج إلى إدارة.
فالأرض مقابل السلام يتحول تدريجيًا إلى الأرض مقابل السلامة، أو بكلمات أخرى، ما الذي سيبقى من القضية الفلسطينية إذا نجح العالم في إدارة نتائجها، بينما بقيت أسبابها قائمة؟ لأن الاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى أن ينتصر في معركة واحدة، بل يكفيه أحيانًا أن تتحول القضية مع الوقت إلى مشكلة إنسانية، ثم أمنية، ثم إدارية.
وعندها لا تكون الأرض وحدها قد تغيرت، بل تكون القضية ذاتها قد أُعيد تعريفها، فيبقى الاحتلال، ويصبح المطلوب إدارة آثاره؛ ويبقى اللاجئ، لكن يتحول من صاحب حق إلى مستفيد؛ وتبقى الأرض، لكن يصبح السؤال: كيف نحمي من عليها، لا لمن تعود؟ وعندها يبقى السؤال الذي حاول كل هذا التحول تجاوزه: من يملك الحق في الأرض، ومن يملك القدرة على البقاء فوقها؟

