فلسطين أون لاين

قضم ساحات الأقصى الشرقية... السعي لتقسيم المسجد مكانيًّا

يتصاعد عدوان الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك عامةً، وعلى ساحاته الشرقية بشكلٍ خاص، وتتضافر جهود مستويات الاحتلال المختلفة لتكثيف محاولات إحلال المستوطنين في هذا الجزء من المسجد، وتشمل هذه الاعتداءات اقتحام المستوطنين لساحات الأقصى، وما يتصل بهذه الاقتحامات من أداءٍ للطقوس اليهوديّة العلنية، وصولًا إلى إيجاد موطئ قدمٍ دائم لهؤلاء المستوطنين في هذه الساحات، تمهيدًا لتقسيم المسجد الأقصى مكانيًا.

وتنظر أذرع الاحتلال المتطرفة إلى هذه الساحات على أنها البقعة المثالية لتأسيس كنيس أو أي منشأة تستوعب وجودهم في المسجد، مستغلين موقعها الجغرافي الحساس، ومستندين إلى جملةٍ من المزاعم التلموديّة، وهو ما تجلّى بوضوح عندما رُسم شعار "المسيح المخلص" على أحد أحجار تلك الساحة قبيل اقتحامات ذكرى ما يسمى "خراب المعبد". ويستعرض المقال جملةً من الاعتداءات التي تعرضت لها ساحات الأقصى الشرقية، بما فيها مصلى باب الرحمة، خلال الأشهر الماضية.

اعتداءات متزايدة منذ عام 2019

كثفت أذرع الاحتلال اعتداءاتها على هذا الجزء من المسجد منذ زمنٍ طويل، ولكنها تصاعدت بشكلٍ كبير منذ عام 2019، في سياق محاولات أذرع الاحتلال اقتطاع أجزاء من المسجد، وفرض أمر واقع جديد، عبر تكثيف الحضور الاستيطاني داخل المنطقة الشرقية، وشهدت السنوات الماضية استهدافًا مركزًا للمنطقة الشرقية من المسجد الأقصى عامةً، ومصلى الرحمة ومحيطه على وجه الخصوص، ومن أبرز تلك الاعتداءات:

* إفراغ الساحات الشرقية من المرابطين بالقوة، ومنع المرابطين من البقاء في هذا الجزء من المسجد طيلة اليوم، والتركيز على اقتحامات الأقصى شبه اليومية.

* تصاعد أداء الطقوس اليهوديّة العلنية في محيط المصلى، وفي ساحات الأقصى الشرقية.

* أخذ قياسات للباب عدة مرات من داخل الأقصى ومن خارجه، بالتزامن مع التطورات التي شهدها المسجد، وخاصةً إبان إغلاقه بشكلٍ كامل بالتزامن مع هبة باب الأسباط في عام 2017.

* محاولة إبقاء مصلى باب الرحمة مغلقًا.

* استهداف مقبرة الرحمة، وسعي الاحتلال إلى اقتطاع أجزاء منها لإقامة "حدائق توراتيّة"، ومشاريع استيطانية أخرى.

* منع إزالة الركام من المساحات المحيطة بمصلى باب الرحمة.

* اقتحام المصلى بشكلٍ متكرر، وتخريب محتوياته، وإفراغ ما فيه بالقوة.

* تخريب شبكات الكهرباء والصوت في المصلى أكثر من مرة.

* السماح للمستوطنين بأداء الطقوس اليهوديّة العلنيّة، وفي مقدمتها "السجود الملحمي" الكامل.

* فتح المجال أمام مجموعات المستوطنين لعقد حلقات دراسية تلمودية في ساحات الأقصى.

الشرطة رأس حربة ساسة الكيان والمنظمات المتطرفة

من خلال استقراء ما تقوم به أذرع الاحتلال، يتجلى دور المستوى الأمني لتحقيق أهداف الكيان، حيث رسخت شرطة الاحتلال دورها أداةً ميدانية أساسيّة لتهويد الأقصى؛ ففي بداية عام 2026، سمحت الشرطة للمقتحمين بإدخال أوراق تضم نصوصًا دينيّة إلى الأقصى، وتطورت لاحقًا إلى إدخال أوراق الطقوس الموسعة، وفي الأسابيع الماضية، سمحت الشرطة بإدخال كتب "السيدور"، وانتشرت صورٌ لقراءة المستوطنين من هذه الكتب خلال اقتحامهم للأقصى.

ومن أبرز دلالات الاندماج بين المؤسستين الأمنية والسياسية للاحتلال، نصب شرطة الاحتلال خيمةً في الساحات الشرقية متزامنةً مع اقتحامات ذكرى "خراب المعبد"، وظهر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أسفل الخيمة، والتقط صورًا أسفلها. ويُشير مراقبون إلى أن هذه الخطوة تعد تمهيدًا عمليًا لفرض التقسيم المكاني، إذ تمنح المستوطنين ذريعةً للبقاء لفترات أطول تتجاوز أوقات الاقتحامات اليومية المعتادة التي تطيلها الشرطة تدريجيًا. وإلى جانب ما سبق، فقد سبق للمجموعات المتطرفة أن طالبت بإدخال أدوات تعليمية ودينية، وهو ما ينبئ بخطةٍ واضحة، تشكل نصب الخيمة جزءًا منها، وتمهيدًا لتحقيق المزيد من الوقائع في الأقصى.

موجة العدوان سبقت ذكرى "خراب المعبد"، وستستمرّ

وإلى جانب السماح بإدخال أوراق الطقوس، ومن ثمّ "السيدور"، شهدت الأشهر الماضية تنظيم "منظمات المعبد" حلقاتٍ دراسية توراتية في ساحات الأقصى الشرقية، وعلى المصاطب التي كانت تشهد دروس العلم وقراءة القرآن، وقد أشرف على هذه الجلسات التهويديّة عددٌ من الحاخامات، أبرزهم يهودا غليك، إلى جانب الحاخامين إلياهو ويبر وإليشع وولفسون، وتنشر أذرع الاحتلال المتطرفة صور المشاركين عبر حساباتها في منصات التواصل الاجتماعي.

وأشرنا إلى نصب شرطة الاحتلال خيمةً في ذكرى "خراب المعبد"، وقد شكلت هذه الذكرى ذروةً للتصعيد الميداني على الأقصى ومكوناته البشرية؛ ففي 23/7/2026، اقتحم الأقصى نحو 4288 مستوطنًا، أدوا الطقوس اليهوديّة العلنية، وفي مقدمتها "السجود الملحمي" الكامل في ساحات الأقصى الشرقية، وفي عددٍ من المواضع في الأقصى، وارتدى بعضهم لفائف "التفلين"، مطلقين الأغاني والشعارات التلمودية بأصوات عالية. وسبق هذا الاقتحام قيام عددٍ من المستوطنين برسم شعار "المخلص" - المرتبط بالرؤية التلمودية الرامية لبناء المعبد المزعوم - على حجارةٍ في الساحة الشرقية.

ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى محاولات أذرع الاحتلال تنفيذ اعتداءاتٍ عديدة ترتبط بالجانب الطقوسي والحياتي للمستوطنين في ساحات الأقصى الشرقية، فقد رصدت المصادر الفلسطينية خلال الأشهر الماضية جملةً من هذه الانتهاكات، على غرار تنظيم "زفة عريس" تخللتها أهازيج ورقصات جماعية، ومراسم "مباركة زفاف" لمستوطنة في الأول من شباط/فبراير 2026، فضلًا عن عقد الجلسات الدراسيّة التلمودية التي أشرنا إليها آنفًا.

التمدد نحو مواضع أخرى من المسجد

لم تقتصر الاعتداءات على الفضاءات المفتوحة، بل طالت مرافق داخلية في المسجد، عمدت الشرطة إلى إخلائها تباعًا تحت حجج أمنية واهية. ففي التاسع من يونيو 2026، أفادت تقارير فلسطينية بإخلاء معالم تاريخية داخل الأقصى، كان آخرها قبة موسى الواقعة في الزاوية الجنوبية الغربية، لترتفع حصيلة المواقع المستهدفة إلى أربعة، من بينها مواضع في الساحات الشرقية أو قريبة منها، وأبرزها قبة الإمام الغزالي المجاورة لسطح مصلى باب الرحمة، ودار الحديث الشريف الكائنة بين باب الرحمة وباب الأسباط في الجهة الشمالية الشرقية.

أخيرًا، توضح هذه المعطيات وغيرها من تفاصيل العدوان، وجود مسارٍ متصاعدٍ من العدوان، تتضافر فيه جهود مختلف مستويات الاحتلال، لتحويل هذه الاعتداءات إلى أمر واقع ثابت، عنوانه الأبرز إحلال المستوطنين في هذا الجزء من المسجد، والمضي قدمًا في تقسيم الأقصى، في استحضارٍ مخيف لما يجري في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وسعي الاحتلال إلى تكراره في الأقصى.
 

المصدر / فلسطين أون لاين