فلسطين أون لاين

أحد تداعيات حرب الإبادة

لوازم المدرسة تثقل كاهل الأسر.. وحقائب الأطفال أمنيات مؤجلة بغزة

...
لوازم المدرسة تثقل كاهل الأسر في غزة
غزة/ مريم الشوبكي:

وقفت طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها أمام واجهة أحد المحال التجارية، تحدق في حقيبة مدرسية وردية وأخرى بنفسجية زاهية، تتدلى عليهما صور الشخصيات الكرتونية التي تحبها. لم تكن تعرف أن تلك النظرة البريئة ستنتهي بالبكاء، وأن الحقيبة التي بدت لها مجرد وسيلة تحمل بها كتبها إلى المدرسة، ستتحول إلى أمنية يصعب على أسرتها تحقيقها.

كانت الطفلة قد شاهدت الحقائب بالصدفة في أثناء مرورها أمام المحل، فأعجبتها ألوانها ورسوماتها، وطلبت من والدها شراء واحدة منها، لكنه رفض بشدة، قبل أن تسأل والدتها التاجر عن ثمنها. جاءت الإجابة صادمة: 150 شيقلًا.

تقول نداء أبو راس إن قلبها تألم لرغبة طفلتها، لكنها لم تستطع شراء الحقيبة، لأن سعرها يفوق قدرة الأسرة في الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها.

وتروي لصحيفة "فلسطين": "تعبت نفسيًا من أجلها، لكن سعر الحقيبة لا يُطاق ولا أستطيع البتة شراءها لها. كانت تبكي وتقول لي: طوال الحرب ونحن نحمل أكياس الخيش، ألا تريدين أن تحققي لي رغبتي في الحقيبة؟".

وتوضح نداء أن أطفالها كانوا يتوجهون إلى المدرسة بأكياس الخيش بعد تفريغ الأرز منها، وهو ما جعلهم يشعرون بالضيق والملل، خصوصًا مع استمرار استخدام هذه البدائل عامًا بعد آخر. ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، عادت الحقائب إلى واجهات المحال بألوانها الزاهية ورسوماتها الكرتونية، لكن أسعارها جعلت كثيرًا من الأهالي عاجزين عن مجاراة رغبات أطفالهم. وتلفت إلى أن الحقيبة ذات الجودة المتوسطة يبلغ سعرها نحو 60 شيقلًا، بينما تقفز أسعار الأنواع التي تجذب الأطفال بتصاميمها وألوانها إلى مبالغ أعلى بكثير.

وفي ظل حرب ألحقت دمارًا واسعًا بالمدارس وأجبرت آلاف الطلبة على تلقي تعليمهم في أماكن مؤقتة وشوادر، لا تتوقف معاناة الأسر عند توفير مكان للتعلم، بل تمتد إلى أبسط مستلزماته. فحتى الحقيبة المدرسية، التي يفترض أن تكون جزءًا عاديًا من استعداد الأطفال للعام الدراسي، باتت بالنسبة إلى معظم الأسر كلفة تفوق قدرتها، لتتحول لوازم الدراسة إلى عبء إضافي يثقل كاهلها.

مطرات مؤجلة

وفي منزل آخر، تبحث هناء بلبل عن وسيلة لتوفير مستلزمات الدراسة لثلاث طفلات لديها، يدرسن في مراحل التمهيدي والرابع والسادس، وسط ظروف نزوح تجعل الطريق إلى المدرسة طويلًا، فيما تُقام الصفوف داخل شوادر بلاستيكية وتكتظ بالطالبات.

وتشير هناء إلى أن إعلانات مطرات المياه جذبت انتباهها، لأنها ترى فيها حاجة ضرورية لبناتها، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة داخل الصفوف، حيث يتصبب الأطفال عرقًا ويحتاجون إلى المياه طوال اليوم.

وتذكر أن كل واحدة من بناتها اختارت شكلًا تحبه؛ فاختارت إحداهن مطرة على شكل ديناصور، بينما فضلت الثانية شكل الكاميرا، واختارت الثالثة شكل الفراولة. وحين توجهت إلى المحل للسؤال عن الأسعار، فوجئت بأن ثمن الواحدة 25 شيقلًا.

وبالنسبة إلى أسرة تحاول تأمين عشرات المستلزمات المدرسية، بدا المبلغ كبيرًا، فقررت هناء العدول عن الشراء، والاكتفاء بتأجيل الأمر، إلا أن بناتها لم يتخلين عن رغبتهن. ومنذ نحو أسبوع، بدأت الطفلات الثلاث بادخار مصروفهن اليومي، الذي لا يتجاوز شيقلًا واحدًا لكل واحدة، في محاولة لجمع ثمن المَطَرّات قبل دخول المدرسة بيومين.

وتوضح هناء أن الطفلات وضعن خطة لتقاسم المَطَرّات، نظرًا إلى أنهن يذهبن إلى المدرسة في مواعيد مختلفة خلال ثلاثة أيام أسبوعيًا؛ إذ ستأخذ الصغرى المَطَرّة في الفترة الصباحية، وعندما تنتهي من دوامها تسلمها إلى أختها التي تذهب إلى المدرسة في الفترة المسائية.

وتضيف أن الدفاتر والأقلام والمحايات والبرايات والأدوات الهندسية وألوان الرسم تحتاج إلى ميزانية أخرى، إلى جانب الملابس المدرسية، ومنها بنطال الجينز الذي تحتاج إليه طفلاتها، لتصبح قائمة الاحتياجات أكبر من قدرة الأسرة المالية. وتصف هناء هذه المصروفات بأنها تحتاج إلى ميزانية توازي راتب موظف كان يتقاضاه قبل الحرب.

قرطاسية محدودة

أما داليا أبو عصر، فوجدت نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها مع اقتراب العام الدراسي، بعدما أدركت أن شراء جميع المستلزمات المطلوبة يتجاوز إمكاناتها المالية.

وتقول داليا لصحيفة "فلسطين" إنها عدلت عن فكرة شراء الحقائب ومطرات المياه، وحتى الحذاء المدرسي، وقررت أن تجعل الأولوية للقرطاسية، على أن تشتري منها كميات قليلة تتناسب مع وضعها الاقتصادي.

وتوضح أن الدفاتر وحدها تحتاج إلى ميزانية مستقلة، إذ تطلب المعلمات دفاتر من 60 إلى 80 أو 100 ورقة، فيما تحتاج الطفلة الواحدة إلى نحو دزينة كاملة، ويصل سعر أقل كمية منها إلى 36 شيقلًا، بخلاف دفاتر اللغة الإنجليزية والأقلام والمحايات والبرايات والأدوات الهندسية وألوان الرسم.

ولأن شراء حقيبة جديدة أصبح أمرًا يفوق قدرتها، اختارت أبو عصر أن تصنع لابنتها حقيبة بيديها من بنطال جينز قديم اهترأ، بعدما بكت الطفلة مرارًا وسئمت الذهاب إلى المدرسة بأكياس النايلون.

وتقول إن الحقيبة المصنوعة يدويًا جاءت كحل اضطراري لتخفيف المصروفات، وفي الوقت نفسه لتمنح ابنتها بديلًا عن أكياس النايلون التي اعتادت حملها إلى المدرسة خلال الفترة الماضية.

عام دراسي مختلف

وتأتي هذه الكلفة في وقت لا تستطيع الأسر تحمل أعباء إضافية؛ إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الصادرة في 30 أبريل/نيسان الماضي ارتفاع معدل البطالة في قطاع غزة إلى نحو 68% خلال فترة الحرب، مع تراجع المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25%، مقارنة بنحو 40% قبل الحرب، ما انعكس على قدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية.

وتتزامن الضغوط المالية مع واقع تعليمي استثنائي فرضته الحرب، بعدما تعرض أكثر من 97% من مدارس القطاع للضرر أو التدمير، فيما باتت مساحات تعليم مؤقتة، معظمها في خيام، بديلًا عن جزء من المدارس المدمرة، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف".

وتكشف قصص الأمهات الثلاث عن حجم الضغط الذي تضعه المستلزمات المدرسية على الأسر مع اقتراب العام الدراسي، إذ لم تعد الحقيبة أو الحذاء أو مطرة المياه من المشتريات البسيطة التي يمكن توفيرها بسهولة، بل أصبحت الأسرة مضطرة إلى ترتيب أولوياتها بدقة، وتأجيل بعض الاحتياجات، والاستغناء عن أخرى، أو البحث عن بدائل مصنوعة داخل المنزل.

وبين طفلة وقفت أمام حقيبة بـ150 شيقلًا ولم تستطع والدتها تحقيق رغبتها، وثلاث شقيقات يدخرن شيقلًا يوميًا لشراء مطرات المياه، وأم اختارت القرطاسية بكميات محدودة وخاطت لابنتها حقيبة من بنطال جينز مهترئ، تبدو العودة إلى المدرسة في غزة مختلفة عن أي عام آخر.

فالعام الدراسي لا يبدأ هنا بشراء الكتب والدفاتر والحقائب، بل بحساب ثمن كل قطعة، ثم تحديد ما هو ضروري وما يمكن تأجيله، وما يمكن استبداله، فيما يحاول الأهالي الحفاظ على حق أطفالهم في الذهاب إلى المدرسة بأبسط صورة ممكنة، رغم واقع اقتصادي جعل أبسط مستلزمات الدراسة عبئًا ثقيلًا.

المصدر / فلسطين أون لاين