لم تكن الطفلة آمال نشأت أبو خاطر، البالغة من العمر 10 سنوات، تعلم أن وجبة الغداء التي جلست لتناولها داخل خيمتها قرب مدينة حمد شمال خانيونس ستكون الأخيرة في حياتها.
وبينما كانت تجلس إلى جانب أفراد من عائلتها وتتناول طعامها، أصابتها رصاصة أطلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس، لتسقط مضرجّة بدمائها، قبل أن تصل إلى مجمع ناصر الطبي جثة هامدة.
في مشهد وداع مؤلم، شيع أفراد عائلة أبو خاطر طفلتهم، وسط صدمة وأسئلة لا تجد لها العائلة إجابة: ما ذنب طفلة في العاشرة من عمرها حتى يقتلها الاحتلال وهي تأكل داخل خيمتها؟
رصاصة في ظهر طفلة
يروي نضال أبو خاطر، عم الطفلة، أن العائلة تقيم في المنطقة القريبة من مدينة حمد، مشيراً إلى أن المكان الذي كانت توجد فيه آمال لا يشكل خطراً على قوات الاحتلال ومصنف "منطقة إنسانية".
ويقول لصحيفة "فلسطين" إن الأطفال في المنطقة أبرياء، ولا علاقة لهم بأي عمل عسكري، متسائلاً بغضب وألم: “بنت قاعده في حالها! ليش يقتلوها؟ وحيدة أبوها، فيش إلا هي عند أبوها”.
ويضيف أن آمال لم تكن سوى طفلة تعيش حياتها وسط ظروف الحرب، قبل أن تحرمها رصاصة من حقها في الحياة، وتحرم والدها من ابنته الوحيدة.

ويصف عمها ما جرى بأنه “إجرام المحتلين”، مؤكداً أن ابنة شقيقه كانت تجلس داخل خيمتها تتناول الطعام عندما أصابتها الرصاصة.
ويقول إن آمال أتمت حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، في حين كانت تواصل حفظ الجزء الرابع في مركز لتحفيظ القرآن قريب من خيمتها، الأمر الذي يجعل فقدانها أكثر قسوة بالنسبة لعائلتها التي كانت تراها طفلة مرتبطة بالقرآن والتعليم والحياة.
ويضيف، متحدثاً عن إطلاق النار في المنطقة: “فوق معاناة النزوح يلاحقوننا بالرصاص الطائش اللي بتتعرض له مدينة حمد وشرق مدينة حمد، ضحيته طفلة بريئة، .. هذا إجرام”.
كانت تأكل وتلعب
تستعيد سميرة أبو لبدة، جدة آمال، اللحظات الأخيرة من حياة حفيدتها بصوت يختلط فيه الحزن بالذهول.
تقول إن آمال كانت تجلس لتناول الطعام، وكان خالها موجوداً في المكان، قبل أن يسمعوا صوت إطلاق النار، وعندما نظر خالها إلى ظهرها، وجد الدم ينزف منها بغزارة.
وتتساءل الجدة، وهي تحاول استيعاب فقدان طفلة لم تتجاوز العاشرة: “إيش عملت الطفلة هذه؟ إيش عملت في حياتها؟ اللي بتحفظ قرآن وتروح تقرأ قرآن”.
وتؤكد أن الرصاصة أصابت آمال في ظهرها أثناء تناولها الطعام، قبل أن تُنقل إلى الهلال الأحمر، حيث أُبلغت العائلة بأنها فارقت الحياة.
وتكرر الجدة سؤالها المرير: “إيش ذنبها؟ فش إلا هي إلها البنت هذه وولد صغير”، في إشارة إلى مكانة آمال داخل أسرتها، باعتبارها الابنة الوحيدة لوالدها إلى جانب طفل صغير.
لم يكن في المشهد ما يوحي بوجود خطر عسكري؛ طفلة تأكل وتلعب مع خالها الصغير، قبل أن يتحول صوت الرصاصة إلى لحظة موت، وتتحول وجبة الغداء إلى آخر ما تتذكره العائلة عن طفلتها.
عائلة تسأل: أين العالم؟
أما حسن أبو لبدة، جد الطفلة، فيصف إطلاق النار في المنطقة بأنه متواصل، مؤكداً أن العائلة توجد في منطقة يصنفها الاحتلال الإسرائيلي بأنها إنسانية.
ويقول إن المدنيين، ولا سيما الأطفال، يتعرضون بصورة متكررة للإصابات والقتل برصاص وصواريخ الاحتلال، متسائلاً عن موقف الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي من استمرار الحرب وسقوط الضحايا المدنيين.
ويشير إلى أن العائلة تبعد نحو كيلومتر عن الخط الأصفر، معتبراً أن ما يجري بحق المدنيين في المنطقة “ليس منطقاً”، وأن ما تصفه (إسرائيل) من مبررات لا يفسر سقوط طفلة كانت تجلس داخل خيمتها لتناول الطعام.

في رحيل آمال، لا تبكي عائلتها طفلة قُتلت برصاصة فحسب، بل تبكي مشروع حياة توقف قبل أن يبدأ.
كانت في العاشرة من عمرها، تحفظ كتاب الله، وتذهب إلى مركز قريب من خيمتها لمواصلة الحفظ، وتعيش تفاصيل طفولتها بين أفراد عائلتها رغم الحرب والنزوح، يوضح جدها.
ويقول: "رصاصة أطلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي أنهت حياة حفيدتي آمال لتضاف إلى قائمة الأطفال الفلسطينيين الذين يدفعون ثمن الحرب بأجسادهم وأحلامهم".
وبينما تنعى العائلة طفلتها، يبقى السؤال الذي ردده أفرادها بلا إجابة: لماذا قتل الاحتلال آمال؟
طفلة كانت تتناول طعامها داخل خيمتها، قبل أن تتحول لحظات الغداء إلى لحظة وداع أخيرة، وتصبح قصتها شاهداً جديداً على الثمن الذي يدفعه أطفال غزة في حرب لم تتوقف عن حصد أرواح المدنيين.

