فلسطين أون لاين

طرود نمطية واحتياجات غائبة.. انتقادات شعبية لمساعدات "الغذاء العالمي" بغزة

...
انتقادات شعبية لمساعدات "الغذاء العالمي" بغزة
غزة/ محمد حجازي:

مع استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة وشح المساعدات، ووسط أزمة اقتصادية خانقة تهدد الواقع المعيشي وتفاقم الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، تصاعدت حدة الانتقادات الشعبية الموجهة لبرنامج الأغذية العالمي.

وتترافق هذه الانتقادات مع مطالبات واسعة وعاجلة بإحداث تغييرات جذرية في سياسات توزيع المساعدات، وإعادة هيكلة طرود الغذاء التي باتت بمعظمها برأي مواطنين، لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للأسر المنهكة والنازحة في مختلف محافظات القطاع.

وعلى الرغم من الجهود الإغاثية المبذولة للتعامل مع هذا الواقع القاسي، يشير الشارع الغزي يوما بعد يوم إلى واقع يوصف بأنه مرير ومؤلم يكمن في تكرار محتويات الطرود بطريقة نمطية، مما جعلها تفقد تماما قيمتها الغذائية والإنسانية والمعنوية، وتحولت لدى العائلات من مصدر إغاثة وإسناد إلى مادة تباع في الأسواق المحلية بأسعار بخسة جدا لا توفي بأبسط المتطلبات المعيشية، وذلك للبحث عن بدائل أساسية مفقودة وملحة في السوق.

وفي قراءة اقتصادية دقيقة لآليات العمل الحالية، يؤكد المختص في الشأن الاقتصادي، محمد أبو جياب، لصحيفة "فلسطين"، أن الحسابات التشغيلية للمنظمات الدولية منذ بدء حرب الإبادة لم تكن قائمة على دراسة الاحتياجات الحقيقية للسكان بقدر ما ارتبطت بأجندات ومنظومات العمل الخارجية.

ويشير أبو جياب إلى أن الطرد الغذائي ظل جامدا في محتوياته منذ اليوم الأول للحرب مع تحديثات طفيفة لا تذكر، مما يجعله عاجزا عن تلبية متطلبات المراحل المعيشية المختلفة التي مر بها أهالي القطاع، وهو ما يصفه بـ "الخلل الهيكلي الواضح".

ويضيف أبو جياب، في قراءته للفجوة المالية، أن تكلفة الطرد الغذائي الواحد تصل وفقا للمعلومات المتوفرة إلى أكثر من 250 دولارا، بينما لا تتجاوز قيمته عند البيع في الأسواق المحلية 50 دولارا، وهي مفارقة اقتصادية صارخة تؤكد هدر الموارد وغياب الجدوى الاقتصادية على أرض الواقع.

ويعزو مراقبون هذا التدهور السريع في القيمة والمنفعة إلى التشبع الحاد والزائد عن الحد بأصناف معينة ومحددة بعينها كالعدس والأرز والفاصوليا، وتحول كراتين المعلبات المتكررة إلى فائض يثقل كاهل الأسر وأخذ مساحات دون طائل، في وقت تفتقر فيه هذه الطرود كليا لأبسط المقومات الغذائية الضرورية التي يحتاجها جسم الإنسان تحت ظروف الحرب القاسية، كالبروتينات الحيوانية، والحليب، والخضار، والمواد المغذية المباشرة والضرورية لصحة الأبدان.

صدمة بعد طول انتظار

وفي شهادة حية تعكس عمق الأزمة المعيشية، رصدت صحيفة "فلسطين" آراء متنوعة تعكس استياء شعبيا واسعا ومستمرا، حيث يقول المواطن محمد الخولي (36 عاما)، وهو أب لخمسة أطفال من شمال غزة، إنه ينتظر هذه المساعدات الإغاثية بفارغ الصبر وبأمل كبير، لكنه يصدم في كل مرة يفتح فيها الطرد ليجد أمامه الأصناف ذاتها التي تملأ غرفة النزوح منذ أشهر طويلة، مؤكدا باستهجان أنه يضطر مرغما لبيع هذا الطرد بأبخس الأثمان في السوق ليتمكن من شراء كيلو من اللحوم أو الحليب أو الفاكهة لأطفاله الصغار الذين أنهكتهم أزمة سوء التغذية الحاد.

أما الأرملة إلهام المناصرة (45 عاما)، وهي أم لثلاثة أطفال نازحين في أحد المخيمات بشمال غزة، فتوضح بحرقة بالغة أن العائلات في المخيمات تعاني الأمرين، مشيرة إلى أنهم كرروا النداءات والمطالبات مرارا وتكرارا بإدخال أجبان وألبان ومواد بروتينية تقوي أجسادهم الضعيفة في ظل الحرب، ومؤكدة أن الطرد الغذائي الحالي لا يغطي بحال من الأحوال احتياجات عائلة تعيش في خيمة بلا مقومات حياة وتفتقر لأدنى وسائل الطهي والتخزين السليم.

من جهته، يقول الشاب النازح أحمد اسليم (39 عاما)، من شمال القطاع أن طرود الغذاء العالمي أصبحت تفتقر للعدالة في التوزيع وتفتقر للمرونة، مشيرا إلى أنه استلم في إحدى المرات طردا يحتوي على معلبات تالفة أو غير مرغوب فيها استهلاكيا من قبل أطفاله، ما يضطره للتخلص منها أو مبادلتها بأصناف أخرى بخسارة مالية فادحة، داعيا البرنامج العالمي إلى النزول إلى الميدان وسماع أصوات المواطنين مباشرة دون الاكتفاء بالتقارير المكتبية التي ترفعها الجهات الوسيطة.

بينما تشير أم أحمد علوش (65 عاما)، إلى أن العائلات الكبيرة تضررت بشكل كبير من آلية التوزيع الحالية، موضحة أن الطرد الواحد المخصص شهريا لا يكفي عائلة مكونة من ثمانية أفراد لأيام معدودة، وتتساءل عن سبب الإصرار على تقديم كميات ضخمة من أصناف لا يرغبها السكان بينما تغيب الأصناف الحيوية التي تحمي الأطفال وكبار السن من أمراض سوء التغذية وفقر الدم المنتشرة بكثافة في صفوف الصغار.

وفي الوقت الذي يطالب فيه بعض المستفيدين والناشطين بإلغاء الطرود الغذائية بالكامل واستبدالها بالمساعدات النقدية المباشرة لتلبية الاحتياجات الفردية بدقة، يرى المختص الاقتصادي محمد أبو جياب أن التحول من نمط الطرود العينية إلى نظام القسائم الشرائية سيحقق نتائج أكثر فاعلية، حيث سيعمل على "حقن" الاقتصاد المحلي بالسيولة النقدية، وتنشيط الحركة التجارية الداخلية، وخلق فرص عمل جديدة، بما يجعله خيارا أكثر مرونة وعدالة من التمسك بالطرود النمطية.

ومع استمرار هذا الجدل الاقتصادي والمجتمعي، تبقى الإشكالية الكبرى كامنة في ملف عدالة التوزيع وشفافية البيانات، فبينما يعلن برنامج الغذاء العالمي مرارا عن استهداف أعداد هائلة من السكان، لا يزال آلاف العائلات المحرومة في مختلف مناطق القطاع تشكو بمرارة من عدم استلامها لأي كود مالي أو مساعدة نقدية حقيقية منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة وحتى يومنا هذا، بينما تلاحظ فئات محددة ومعروفة استلامها للمساعدات النقدية والعينية لمرات متكررة ودورية دون انقطاع، مما يسبب شعورا بالغبن والظلم بين أبناء المجتمع الواحد.

معايير التوزيع

وفي ذات السياق، تتساءل المواطنة سناء حسان (54 عاما)، عن المعايير الحقيقية المتبعة في توزيع الأكواد المالية ومساعدات الطرود، موضحة أن هناك عائلات متعففة وكبيرة لم تذق طعم المساعدة النقدية أو العينية منذ شهور طويلة، بينما ترى عائلات أخرى تحظى بالتكرار المستمر، ومؤكدة أن هذه الملفات الحساسة بحاجة ماسة وضرورية لعملية تدقيق شاملة وعاجلة، وفرض رقابة مشددة وصارمة على آليات عمل الموظفين والوسطاء واللجان المحلية لضمان وصول الدعم لمستحقيه بحيادية وعدالة تامة بعيدا عن أي محاباة أو استغلال للظروف القاسية.

وتتلخص الدعوات الشعبية الحثيثة في إحداث تغيير نوعي يرتكز على تطوير محتويات الطرد الغذائي عبر استبدال الأصناف المكررة غير المرغوب فيها بمواد غذائية متنوعة، صحية وعالية القيمة الغذائية تلبي الاحتياجات الفعلية، والتشديد على أهمية إعادة فتح وتدقيق قوائم المستفيدين لضمان الشفافية والعدالة المطلقة في التوزيع، فضلا عن إشراك حقيقي وفعال للمجتمع المحلي في تقييم جودة المساعدات المقدمة لتتلاءم مع متطلبات أهالي القطاع المتغيرة باستمرار بفعل ظروف الحرب المستمرة.

ويبقى السؤال الأبرز معلقا بانتظار إجابة عملية: هل ستستجيب إدارة برنامج الغذاء العالمي لصرخات ومناشدات المواطنين المتكررة، أم ستظل هذه المساعدات الإغاثية مجرد أرقام صماء في تقارير دولية بعيدة كل البعد عن صحن الغزي المحاصر وواقعه المعيشي المرير؟

المصدر / فلسطين أون لاين