تزداد المطالب الموجهة إلى المؤسسات الإغاثية المحلية والدولية بإعادة النظر في مكونات المساعدات الغذائية المقدمة للأسر بغزة بما يضمن توافقها مع الاحتياجات الفعلية للأسر، ويحد من هدر المواد أو تحول جزء منها إلى سلع تُباع في الأسواق بأسعار متدنية.
وبين مواطنون أن بعض الأصناف التي تتكرر في الطرود الإغاثية، ولا سيما البقوليات والمعلبات، أصبحت متوافرة بكميات كبيرة لدى عدد من الأسر وفي الأسواق المحلية، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى أصناف أخرى أكثر أهمية للاستخدام اليومي.
ويقول المواطن يوسف حسونة إن استمرار تقديم الأصناف نفسها دون مراجعة دورية قد يؤدي إلى ضعف الاستفادة منها، سواء من خلال التخلص من الفائض أو بيعه بأسعار منخفضة للحصول على مواد أخرى تحتاج إليها الأسرة.
ويضيف حسونة، لصحيفة "فلسطين"، أن المطلوب ليس وقف المساعدات، وإنما تحديث محتوياتها وفقًا للتغيرات في احتياجات المواطنين، من خلال الاستماع إلى المستفيدين والعاملين في الميدان، إلى جانب متابعة حركة السلع في الأسواق، لمعرفة الأصناف التي تشهد طلبًا حقيقيًا وتلك التي أصبحت متوفرة بكميات كبيرة.
من جانبها، ترى السيدة أم عصام الحلو أن المرحلة الحالية تتطلب توسيع نطاق المساعدات لتشمل مواد لا تقل أهمية عن الغذاء، وفي مقدمتها مواد التنظيف والنظافة الشخصية، إلى جانب زيادة كميات السلع الأساسية التي تحتاج إليها الأسر بصورة مستمرة.
وتوضح لصحيفة "فلسطين" أن هناك أصنافًا يزداد الطلب عليها، مثل زيت الطعام وزيوت الطهي والسكر والطحينية وبعض السلع الأساسية والمعلبات، معتبرة أن توفير هذه المواد سيكون أكثر فائدة للأسر من تكرار أصناف أصبحت متوفرة بكميات كبيرة.
وتشير إلى أن البازيلاء والفاصوليا وبعض البقوليات أصبحت موجودة لدى عدد من الأسر وفي الأسواق، وهو ما يستدعي، برأيها، إعادة تقييم كميات هذه الأصناف ضمن الطرود الغذائية.
وترى الحلو أن استمرار ضخ كميات كبيرة من المواد التي لم تعد تمثل أولوية للمواطنين قد يفقد المساعدة جزءًا من قيمتها، وقد يدفع بعض الأسر إلى بيع الفائض منها بأسعار منخفضة لشراء احتياجات أخرى، بدل أن تحقق المساعدة هدفها الأساسي.
الواقع الميداني
بدوره، دعا الخبير الاقتصادي علي علي المؤسسات الإغاثية، وفي مقدمتها الجهات الدولية العاملة في مجال المساعدات الغذائية، إلى مراجعة مكونات الطرود وآليات إعدادها وتوزيعها، بما يتناسب مع الواقع الميداني واحتياجات المواطنين.
وقال علي لصحيفة "فلسطين" إن استمرار تقديم أصناف لا تجد استهلاكًا واسعًا يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد الإغاثية، خصوصًا عندما ينتهي جزء منها إلى الإتلاف أو البيع في الأسواق بأسعار زهيدة.
وأوضح أن بعض مكونات الطرود، مثل العدس والفاصوليا والبقوليات والمعلبات، أصبحت متوفرة بكميات كبيرة، في حين يزداد الطلب على مواد أساسية أخرى، وعلى رأسها زيت الطعام والطحين.
وأكد أن القضية لا تتعلق برفض المساعدات أو تقليص حجمها، وإنما بإعادة توجيهها لتحقيق أكبر استفادة ممكنة، موضحًا أن المساعدة التي لا يحتاج إليها المواطن أو لا يستطيع استهلاكها تفقد جزءًا من قيمتها الإنسانية والاقتصادية.
وأشار إلى أن المواد الإغاثية تتحمل تكاليف متعددة قبل وصولها إلى المستفيد، تبدأ من الشراء والتعبئة، مرورًا بالشحن والنقل والتخزين، وصولًا إلى التوزيع، وبالتالي فإن التخلص منها أو بيعها بأسعار متدنية يعني أن جزءًا من هذه الموارد لم يحقق الغاية التي خُصص من أجلها.
وتساءل علي عن سبب عدم مراجعة محتويات الطرود عندما تظهر مؤشرات ميدانية على تراجع الطلب على بعض الأصناف، معتبرًا أن المؤسسات الإغاثية بحاجة إلى آلية أكثر مرونة تستند إلى المراجعة الدورية والاستماع للمستفيدين ومتابعة الأسواق المحلية.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن مراجعة مكونات المساعدات لا تعني تقليلها، بل رفع كفاءتها وتعظيم قيمة الموارد المخصصة للعمل الإنساني، بحيث تتجه إلى المواد الأكثر احتياجًا وفائدة للأسر.
كما دعا إلى عدم الاعتماد على تركيبة ثابتة للطرود، والعمل بدلًا من ذلك على تحديثها بصورة دورية وفق المتغيرات واحتياجات المواطنين، مع إمكانية توسيع نطاق المساعدات لتشمل مواد التنظيف والنظافة وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
احتياجات غذائية مرتفعة
وتأتي هذه المطالب في وقت تكشف فيه أحدث البيانات الدولية أن الاحتياجات الغذائية في قطاع غزة لا تزال مرتفعة، رغم التحسن النسبي الذي طرأ على مؤشرات الأمن الغذائي خلال الأشهر الماضية.
ووفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، الصادر في يوليو/تموز 2026، واجه أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من سكان القطاع، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين منتصف أبريل/نيسان ونهاية يونيو/حزيران، بينهم نحو 212 ألف شخص في حالة طوارئ. ويتوقع التحليل ارتفاع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أي 67% من السكان، خلال الفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2026.
وفي السياق ذاته، يقول برنامج الأغذية العالمي إن نحو 1.5 مليون شخص في غزة يتلقون مساعدات منه شهريًا، تشمل الطرود الغذائية ودقيق القمح والخبز والوجبات الساخنة والمساعدات النقدية وخدمات التغذية. إلا أن البرنامج يؤكد في أحدث تقييم له أن الحصص الغذائية لا تزال غير كافية من حيث الكمية والجودة والتنوع الغذائي، ما يعزز أهمية مراجعة طبيعة المساعدات ومكوناتها بما يتناسب مع الاحتياجات المتغيرة للسكان.
وتبرز مشكلة التنوع الغذائي أيضًا في بيانات حديثة، إذ أظهرت بيانات أممية أن 70% من الأطفال دون عامين في غزة كانوا يعانون فقرًا غذائيًا متوسطًا أو شديدًا، بينما لم يكن سوى 30% منهم يحققون الحد الأدنى من التنوع الغذائي.

