تشكل أزمة الإيواء واحدة من سلسلة عراقيل أمام عودة وانتظام التعليم الوجاهي في قطاع غزة الذي يخضع لإبادة جماعية إسرائيلية مستمرة للعام الثالث تواليا، تسببت بتدمير أكثر من 90 بالمائة من المدارس والأبنية التعليمية.
لكنْ ثمة نازحون يتقاسمون فصولا دراسية مع مجموعة من طلبة المراحل التعليمية في مدارس ناجية ومتهالكة بفعل القصف الإسرائيلي وظروف النازحين المعيشية، دون حلول واقعية لأزمة الإيواء التي كان من المفترض البدء في حلها وفق بنود اتفاق وقف إطلاق النار أكتوبر 2025، وتجاهلت (إسرائيل) البروتوكول الإنساني لهذا الاتفاق.
لأجل ذلك، جدد المكتب الإعلامي الحكومي هذا الأسبوع إطلاقه نداء وطنيا وعاجلا لإنقاذ الواقع المعيشي والإسكاني الكارثي للنازحين في غزة، واستدل بالمعطيات الموثقة لدى (المنظومة الوطنية للإيواء) التي تكشف حجم الكارثة الإسكانية في القطاع.
وأوضح أن إجمالي الأسر النازحة في غزة يبلغ 509 آلاف و393 أسرة، تضم أكثر من 2.15 مليون نازح، بينهم مليون و27 ألفًا و396 فردًا يقيمون داخل مراكز الإيواء، ومليون و122 ألفًا و566 فردًا خارجها.
مساكن متنقلة
النازح مصطفى العالول واحد من آلاف النازحين من شمال القطاع إلى جنوبه، يقيم منذ عامين ونصف داخل أحد الفصول الدراسية بمدرسة إيواء تابعة لوكالة "أونروا" في مخيم النصيرات.
حاولت إدارة المدرسة ولجان شعبية ومخاتير قبل عام، إخراج الأب لخمسة أطفال، لكن جهودها لم تفلح إلا بإخلاء فصول محددة من النازحين وتخصيصها للعملية التعليمية.
حاليا، تُصر إدارة المدرسة على إخلاء جميع الفصول الدراسية للمدرسة تمهيدا لتنظيفها وإصلاحها قبل بدء العام الدراسي 2026-2027، لكن ذلك "ليس بالخبر الجيد" بالنسبة للنازح العالول (45 عاما).
يقول لصحيفة "فلسطين": "لسنا ضد قرار المدرسة أو عودة التعليم للمدارس .. لدينا أبناء ونريد عودتهم جميعا للتعليم"، لكن السؤال الذي يطرح ذاته: "أين سأذهب بأسرتي؟".
يعيش برفقة العالول والدته المقعدة، داخل الفصل التعليمي، وبرأيه فإن العيش في هذا الإيواء أفضل بكثير من العيش في مخيمات إيواء ترابية وتفتقر لحاجيات أساسية كثيرة.
يضيف العالول: "مستعدون (النازحين) للخروج من المدرسة (...) إذا وفرت المؤسسات الأممية أو الدولية مراكز إيواء كريمة لا خيام قماشية"، وذلك في إشارة لمطلب النازحين بتوفير المساكن المؤقتة (الكرفانات) أو خيام "البلاستك المقوى".
لا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لموقف الجد أسعد النباهين (65 عاما) الذي يعيش برفقة أبنائه وزوجاتهم وأحفاده داخل فصلين دراسيين في مدرسة إيواء حكومية في بلدة الزوايدة وسط القطاع.
يقول النباهين النازح من بلدة جحر الديك شرق المحافظة الوسطى إلى الزوايدة غربا: "أنا على استعداد للخروج من المدرسة الآن (...) إذا توفر المكان والإيواء الكريم".
يتحدث بغضب عن محطات نزوحه المستمرة منذ قرابة ثلاثة سنوات، وتدمير جيش الاحتلال منزل عائلته وأرضه الزراعية، ويضيف: "وفروا (المؤسسات) لنا مساكن مؤقتة .. وسنخرج فورا".
يتساءل الجد: "كيف سنعيش 25 فردا في خيام لا تقى حر الصيف ولا برد الشتاء"، مشيرا إلى استعداده للخروج الآن من مركز الإيواء إلى بلدته (جحر الديك) المدمرة.
ويعيق ذلك، سيطرة جيش الاحتلال على أزيد من 60 بالمائة من مساحة غزة عبر فرض "الخط الأصفر"، ومنع السكان من العودة لبلداتهم وأحياءهم السكنية المدمرة، ويشترط بذلك التوصل لاتفاق سياسي وفق شروطه.
عراقيل وصعوبات
وتحدث مدير الدائرة الإدارية لمديرية التربية والتعليم في المحافظة الوسطى د. محمود الطلاع عن سلسلة من العراقيل والصعوبات التي تواجه استئناف العملية التعليمية الوجاهية في قطاع غزة، أبرزها: تدمير الاحتلال المنظومة التعليمية ومبانيها، قتل الكوادر التعليمية، قلة المساحات التعليمية، تكدس النازحين وتضاعف أعدادهم في مناطق محددة.
لكن ذلك بحسب الطلاع الذي تحدث لصحيفة "فلسطين" يتلاشى أمام الإرادة التعليمية بين أبناء شعبنا والاهتمام بعودة التعليم الوجاهي عبر: تعزيز المساحات التعليمية (مراكز وخيام)، استئجار الأراضي أو التبرع بها لصالح إقامة مدارس مؤقتة، وذلك في مسعى لدفع سير العملية التعليمية.
وأكد وجود تعاون وتنسيق مشترك مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"؛ لاستئناف وتعزيز العملية التعليمية الوجاهية رغم العوائق والعراقيل الميدانية والقيود الإسرائيلية.
وفيما يتعلق بوجود النازحين في بعض المدارس، أكد أن ذلك يشكل عقبة كبيرة أمام انتظام العملية الوجاهية واستيعاب طلبة المراحل التعليمية المختلفة، مشددا على حق النازحين في الإيواء وحق الطلبة في التعليم معا.
ولتفادي الاصطدام، ذكر أن مديرية التربية والتعليم لجأت لتخصيص فصول دراسية للتعليم عبر مراحل وفترات زمنية متبادلة لاستيعاب أعداد كبيرة من الطلبة كـ(تخصيص ثلاثة أيام على ثلاثة فترات).
وفي هذا السياق، أوصى المسؤول الحكومي باهتمام مؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية بالعملية التعليمية كحق قانوني وإنساني للأجيال الفلسطينية، والاهتمام بملف النازحين ومراكز الإيواء المؤقتة، لأجل التغلب على هذه الأزمات القائمة والتي خلفتها الإبادة الجماعية.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي تفرض سلطات الاحتلال قيودا على إدخال المستلزمات الأساسية للإيواء وفي مقدمتها الكرفانات ومواد البناء، واستهجن الصمت الدولي حيال تعطيل برامج إزالة الركام التي تُعد مدخلًا أساسياً للتعافي والإنعاش المبكر.

