قائمة الموقع

حين تصبح جرائم "إسرائيل" سياسة ويصبح الصمت شريكًا

2026-08-22T10:45:00+03:00
فلسطين أون لاين

ليس أتعس من أمة يُقتل أبناؤها، ثم يُطلب منها أن تفسر لماذا ماتوا، وليس أشد مرارة من أن يتحول الدم في الحسابات السياسية إلى رقم عابر في نشرة الأخبار، وليس أخطر من أن تصبح الجريمة، مع التكرار، واقعة مألوفة حتى يفقد الضمير قدرته على الدهشة. وما يجري في غزة اليوم لا يصح أن يوصف بأنه مجرد خرق عسكري لاتفاق وقف إطلاق النار، ولا بأنه حادث أمني منفصل عن سياقه السياسي؛ لأن الوقائع المتتابعة تقول إن سياسة الاغتيال قد عادت لتحتل مكانًا مركزيًا في السلوك الإسرائيلي، وأن حكومة بنيامين نتنياهو تتعامل مع القوة المسلحة بوصفها وسيلة تفاوضية موازية للطاولة السياسية، بل ربما بديلاً عنها حين تعجز السياسة عن انتزاع ما تريد.

لقد شهد القطاع في الأيام الأخيرة ضربات إسرائيلية أوقعت قتلى وجرحى، وكان من بينها استهداف مقر للشرطة في مدينة غزة أدى، بحسب التقارير، إلى مقتل فلسطينيين وإصابة آخرين، كما استهدفت إسرائيل شخصيات وقيادات فلسطينية في عمليات اغتيال متتابعة، بينما كانت الاتصالات السياسية جارية بين الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا من أجل دفع مسار التهدئة إلى الأمام. والسؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه هنا ليس: لماذا استهدفت إسرائيل هؤلاء؟ وإنما: لماذا تصر حكومة نتنياهو على إبقاء باب الاغتيالات مفتوحًا في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن وقف إطلاق النار، وعن مرحلة جديدة يفترض أن تنقل غزة من منطق الحرب إلى منطق التسوية وإعادة الإعمار؟

الاغتيال في السياسة الإسرائيلية لم يعد مجرد أداة عسكرية، وإنما تحول في حالات كثيرة إلى أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية وإدارة الصراع خارج قواعد التفاوض؛ فهو رسالة إلى الخصم، ورسالة إلى الجمهور الإسرائيلي على أبواب الانتخابات، ورسالة إلى الوسطاء في آن واحد. فالاغتيال يقول للفلسطيني إن الحرب لم تنته حتى وإن أعلنت الهدنة، ويقول للإسرائيلي إن الحكومة ما زالت تمارس القوة، ويقول للوسيط إن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق تفسير الاتفاق وفقًا لموازين القوة التي تريدها.

وهذه هي المشكلة الكبرى؛ لأن الاتفاقات السياسية لا تقوم على حسن النيات، وإنما على مبدأ المعاملة بالمثل، والالتزام المتبادل، والضمانات، وآليات الرقابة. وإذا جاز لطرف أن يعلن وقف إطلاق النار، ثم يحتفظ في الوقت نفسه بحق تنفيذ الاغتيالات متى شاء، فإن الهدنة تصبح اسمًا بلا مضمون، وتتحول الاتفاقية من إطار لخفض التصعيد إلى مساحة جديدة لإدارة الصراع. ولذلك، فإن مطالبة الوسطاء بوقف الاغتيالات ليست مطلبًا إنسانيًا فحسب، وإنما هي مطالبة سياسية وقانونية تفرضها ضرورة حماية المسار التفاوضي ذاته؛ لأن الوسيط الذي يطلب من الفلسطيني الالتزام بالتهدئة، ثم لا يستطيع إلزام إسرائيل بوقف الاغتيالات، لا يكون قد أنجز وساطة كاملة، وإنما يكون قد أدار الأزمة دون أن يملك أدوات فرض قواعدها.

ومن هنا تأتي المسؤولية السياسية الكبرى على مجلس السلام، الذي دخل على خط التسوية باعتباره أحد الأطر الراعية لخريطة الطريق الجديدة. فالمجلس مطالب بأن يدرك أن صمته أمام الاغتيالات ليس حيادًا؛ لأن الحياد في مثل هذه اللحظة قد يتحول إلى انحياز عملي لصالح الطرف الأقوى. فالطرف الذي يملك الطائرات والدبابات والقدرة على تغيير الوقائع الميدانية لا يحتاج إلى من يمنحه مزيدًا من الوقت، بقدر ما يحتاج الطرف الأضعف إلى ضمانات تمنع تغيير قواعد اللعبة بالقوة. إن وقف الاغتيالات يجب أن يكون بندًا صريحًا لا يحتمل التأويل في أي تفاهم مقبل، ويجب أن يقترن بآلية رقابة واضحة وآلية مساءلة عن أي خرق؛ لأن ترك المسألة للبيانات الدبلوماسية وحدها يعني أن الاتفاق سيظل رهينة للمزاج السياسي والعسكري الإسرائيلي. وهنا تظهر خطورة الموقف الإسرائيلي الذي يريد الاحتفاظ بحق استخدام القوة حتى داخل مرحلة التهدئة؛ لأن ذلك يعني عمليًا تحويل الهدنة إلى منطقة رمادية تسمح للاحتلال بإعادة تعريف مفهوم الخطر وفقًا لحاجاته السياسية والأمنية، وليس وفقًا لنصوص الاتفاق أو قواعد القانون الدولي.

أما نتنياهو، فإنه يبدو في هذه المعادلة لا بوصفه مجرد رئيس حكومة يختلف مع خصومه حول تفسير اتفاق، وإنما بوصفه سياسيًا يحاول إبقاء الحرب حاضرة داخل السياسة حتى بعد أن تدخل الحرب مرحلة التفاوض. فالدم بالنسبة إلى حكومة مأزومة يمكن أن يتحول إلى رأسمال سياسي، وكلما اشتد الضغط الداخلي أمكن استدعاء لغة الأمن، وكلما تعثرت المفاوضات أمكن تقديم الاغتيال بوصفه إنجازًا عسكريًا، وكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالانسحاب أمكن تصوير التراجع باعتباره هزيمة. وهذه هي معضلة نتنياهو الكبرى: أنه لا يريد أن يخسر الحرب سياسيًا حتى إذا تعذر عليه حسمها عسكريًا.

ولذلك يبدو أحيانًا كأن استمرار الصراع ذاته أصبح جزءًا من إدارة بقائه السياسي. إن الجريمة الجديدة لا تقتل إنسانًا فحسب، وإنما تقتل جزءًا من الثقة في الاتفاق، وتضعف مكانة الوسطاء، وتوسع الفجوة بين النص والواقع، وتدفع المنطقة كلها نحو احتمال انهيار المسار السياسي. ولذلك، فإن المطلوب من مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة ومجلس السلام ليس إصدار بيانات الأسف، وإنما الانتقال من دبلوماسية المناشدة إلى دبلوماسية الضمانات، ومن تسجيل الخروقات إلى منعها، ومن إدارة الأزمة إلى فرض قواعد واضحة على أطرافها.

إن وقف الاغتيالات في غزة ليس منحة لإسرائيل، ولا مكافأة للفلسطينيين، وإنما شرط أولي لبقاء الهدنة نفسها، ومن يرد سلامًا حقيقيًا عليه أن يمنع القتل الذي يهدم أساسه. فالسلام الذي تظل فيه الطائرات حاضرة فوق رؤوس الناس ليس سلامًا، وإنما هدنة مؤجلة الانفجار، والاتفاق الذي يسمح لطرف واحد بأن يفسر الأمن كما يشاء ليس اتفاقًا، وإنما تفويض بالقوة. أما غزة، التي دفعت من دمها ما لا يحتمله تاريخ طويل، فلا تحتاج إلى خطب جديدة عن السلام بقدر حاجتها إلى قرار سياسي واضح يقول إن زمن الاغتيال يجب أن ينتهي، وإن حياة الفلسطيني ليست ورقة في مفاوضات القوة، وإن من يملك القدرة على وقف الجريمة ثم يمتنع عن وقفها يتحمل بالضرورة نصيبًا من مسؤولية استمرارها.

وفي نهاية الأمر، فإن الاختبار الحقيقي لمجلس السلام وللوسطاء ليس قدرتهم على إنتاج خريطة جديدة، ولا عقد اجتماع جديد، ولا إصدار بيان جديد، وإنما قدرتهم على تحويل الكلمات إلى التزامات، والالتزامات إلى آليات، والآليات إلى حماية فعلية للمدنيين. فإن عجزوا عن ذلك، بقيت غزة شاهدًا على حقيقة يعرفها التاريخ جيدًا، وهي أن الظلم لا يصبح أقل ظلمًا لأنه وقع تحت عنوان أمني، وأن القتل لا يصبح سياسة مشروعة لمجرد أن القاتل الإسرائيلي يملك طاولة تفاوضية إلى جانب غرفة العمليات.

اخبار ذات صلة