قائمة الموقع

غزة.. حين يصبح الصمت شريكًا في المأساة

2026-08-25T11:02:00+03:00
جانب من قصف إسرائيلي سابق على مدينة غزة (أرشيف)
فلسطين أون لاين

في غزة، لم يعد الموت خبراً عابراً في شريط الأخبار، ولم تعد صور الركام والوجوه المرهقة مجرد مشاهد تتكرر حتى يعتادها العالم. هناك، في بقعة صغيرة محاصرة بين البحر والحدود، تُكتب واحدة من أكثر صفحات هذا العصر قسوة، بينما يقف العالم أمامها متردداً بين بيانات الإدانة وحسابات السياسة، وبينما يدفع المدنيون الثمن من أعمارهم وبيوتهم وأحلامهم.

غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا منكوبة؛ إنها مدينة تختصر وجع الإنسان حين يفقد أبسط حقوقه: أن يعيش آمناً، أن يجد بيتاً يعود إليه، وأن ينام من دون أن يعرف إن كان سيستيقظ في الصباح. في كل زاوية من زواياها حكاية إنسانية بدأت قبل أن تصل الكاميرات، وانتهت أو ما زالت تنتظر نهايتها تحت الركام.

المشهد هناك أثقل من أن تختصره الأرقام. خلف كل رقم اسم ووجه وعائلة وذاكرة. طفل كان ينتظر مدرسة، وأم كانت تخبئ ما تبقى من طعام لأبنائها، وأب يحاول أن يبدو قوياً أمام عائلته بينما لا يعرف ماذا سيحمل لهم الغد. وحين تتسع المأساة إلى هذا الحد، تصبح الأرقام عاجزة عن وصف حجم الفقد، لأن الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى رقم مهما حاولت نشرات الأخبار أن تفعل.

الحرب لا تهدم الأبنية وحدها؛ إنها تهدم الإحساس بالأمان، وتترك في النفوس ندوباً لا تظهر في الصور. المستشفيات التي يفترض أن تكون ملاذاً للمرضى تتحول إلى أماكن مثقلة بالجرحى، والبيوت التي كانت تختزن تفاصيل الحياة اليومية تصبح أثراً بعد عين، فيما يبحث النازحون عن مكان أكثر أمناً في أرض تضيق بأهلها.

وفي خضم هذا كله، يبقى السؤال الأكبر معلقاً فوق المشهد: إلى متى يمكن للعالم أن ينظر إلى المأساة دون أن يتحول النظر إلى فعل؟ فالقضية لم تعد فقط في ما يحدث على الأرض، بل في قدرة المجتمع الدولي على وقف النزيف وحماية المدنيين وفرض احترام القانون الدولي وفتح الطريق أمام المساعدات الإنسانية والوصول إلى حل يضع حداً لدائرة الموت.

غزة لا تحتاج إلى مزيد من الصور لكي يصدق العالم أنها تتألم. تحتاج إلى موقف يمنع استمرار الألم. تحتاج إلى أن يصبح حق المدنيين في الحياة حقيقة لا شعاراً، وأن تتحول الدعوات إلى السلام من كلمات في المؤتمرات إلى خطوات حقيقية على الأرض.

لقد أثبتت الأيام أن الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي بسهولة في ذاكرة الناس. الركام يمكن إزالته، والبيوت يمكن إعادة بنائها، لكن آثار الفقد تبقى طويلاً في وجدان من عاشوا المأساة. ولهذا فإن أي حديث عن مستقبل غزة لا يمكن أن يبدأ من الإسمنت والطرق فقط، بل من الإنسان؛ من حقه في الحياة والكرامة والأمان، ومن حق الأطفال على وجه الخصوص في أن يكبروا بعيداً عن الخوف.

وفي غزة، حيث يختلط دخان الحرب بملوحة البحر، ما زال هناك أناس يتمسكون بالحياة رغم كل شيء. أم تنظف ما تبقى من منزلها، طفل يبحث عن لعبة بين الأنقاض، رجل يحاول تأمين الخبز لعائلته، وطبيب يواصل عمله رغم الإرهاق والخوف. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تقول إن الحياة، رغم كل محاولات سحقها، ما زالت تقاوم.

ربما تكون غزة اليوم واحدة من أقسى المرات التي يواجه فيها العالم صورته. فالمأساة لا تكشف فقط حجم الدمار، بل تكشف أيضاً حدود الضمير الدولي عندما تتغلب الحسابات السياسية على قيمة الإنسان.

ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يختفي وسط ضجيج الأخبار: ماذا يفعل العالم حين يصبح الموت يومياً، والدمار اعتيادياً، والخوف جزءاً من تفاصيل الطفولة؟

غزة لا تطلب من العالم أن يتذكرها للحظة ثم ينصرف. إنها تحتاج إلى أن يتوقف الموت، وأن يصل الغذاء والدواء، وأن يجد المدنيون الحماية، وأن يبدأ طريق سياسي حقيقي ينهي هذه المأساة ويفتح باباً لمستقبل يستطيع فيه الفلسطيني والإسرائيلي معاً أن يعيشا بعيداً عن دوامة الدم.

فالأوطان لا تُبنى بالركام، والسلام لا يولد من الصمت، والتاريخ لا يرحم من رأى المأساة ثم قرر أن يدير وجهه.

وغزة، مهما اشتد عليها الليل، ستظل تطرح على العالم السؤال ذاته: كم يحتاج الإنسان من الألم حتى يصبح حقه في الحياة أولوية؟

اخبار ذات صلة