قائمة الموقع

بنك بذور القرارة.. حين تصبح البذرة بداية استعادة الزراعة في غزة

2026-08-22T12:51:00+03:00
بنك بذور القرارة.. حين تصبح البذرة بداية استعادة الزراعة في غزة
فلسطين أون لاين

حين تُذكر خسائر الزراعة في غزة، تحضر الأراضي المجروفة والمحاصيل التي أتلفتها حرب الإبادة والمنشآت الزراعية التي دمرها الاحتلال، لكن خسارة أخرى أقل ظهورًا طالت أساس العملية الزراعية نفسها: البذور المحلية التي كان المزارعون يحتفظون بها ويعيدون زراعتها موسمًا بعد آخر.

هذه الخسارة دفعت سالم مهنا وابنته هنادي إلى إعادة إحياء "بنك بذور القرارة"، الذي تأسس عام 2017 وجمع قبل الحرب عشرات الأصناف المحلية. وبعد تدمير مقره وفقدان مخزونه، عاد المشروع بإمكانات محدودة، محاولًا استعادة ما بقي من البذور وتوزيعه على المزارعين، على أن يعيدوا جزءًا من إنتاجها بعد الحصاد.

فكرة البنك اليوم لا تقوم على تخزين البذور فقط، بل على إعادة تشغيل دورة إنتاج توقفت بفعل الحرب: بذور تصل إلى المزارع، تُزرع، ثم يعود جزء من محصولها إلى البنك ليُستخدم في موسم جديد.

سبعون طنًا

قبل الحرب، كان البنك يمتلك نحو 70 طنًا من البذور موزعة على 42 صنفًا، بينها 38 صنفًا ثبت أنها بلدية بالكامل.

ويشرح سالم مهنا لصحيفة "فلسطين": لم يكن ذلك المخزون مجرد كميات محفوظة، بل حصيلة سنوات من جمع أصناف محلية وإكثارها وحفظها. وكان البنك مجهزًا بألواح للطاقة الشمسية وثلاجات وأجهزة لتجفيف البذور وأوعية مخصصة للتخزين.

لكن تدمير مقر البنك خلال الحرب أدى إلى فقدان كميات كبيرة من المخزون، لتبدأ العائلة من جديد، هذه المرة بالبحث عن البذور لدى المزارعين.

إعادة البناء

أعاد مهنا إحياء الفكرة أواخر عام 2024، ومع تفاقم أزمة الغذاء خلال العام التالي، بدأ جمع ما أمكن من البذور وإعادة إنشاء البنك.

ويوضح: "جمعنا ما استطعنا من بذور المزارعين وأعدنا إنشاء البنك، وبدأنا توزيع البذور مجانًا على 42 مزارعًا، على أن يعملوا على إكثارها وإعادتها لنا".

هذه الآلية تمنح المشروع فرصة لزيادة مخزونه تدريجيًا. فالبذور التي يوزعها لا تُستهلك بالكامل، وإنما تتحول بعد زراعتها إلى محصول يمكن استخراج بذور جديدة منه، يعود جزء منها إلى البنك.

ويؤكد مهنا: "البذور البلدية تعطي 80 إلى 90 في المائة من نفس المحصول كل عام، لهذا نعتمد عليها".

وتكتسب هذه الخاصية أهمية في ظل ارتفاع أسعار البذور وصعوبة توفير المستلزمات الزراعية، إذ يستطيع المزارع الاحتفاظ بجزء من إنتاجه لإعادة الزراعة بدل الاعتماد الكامل على شراء بذور جديدة.

ما بقي

تعمل هنادي مهنا إلى جانب والدها في فرز البذور وتجهيزها وتوزيعها، بعد سنوات من العمل في الزراعة قبل أن تفقد الأسرة أرضها البالغة 15 دونمًا شرقي القرارة بفعل التجريف.

وتستذكر هنادي: "مع اشتداد أزمة الغذاء وفقدان المزارعين للبذور وارتفاع أسعارها، بدأنا البحث عن حلول تساعدهم. وفرنا بذورًا جديدة للمزارعين مجانًا، على أن يعملوا على إكثارها وإعادة جزء منها إلينا، وهكذا بدأنا العمل".

وتضم الكميات المتوفرة حاليًا بذور الفول والقمح والسبانخ والسلق والكرفس والشعير، لكن المخزون لا يشمل جميع الأصناف التي كانت موجودة قبل الحرب.

وتشير هنادي إلى جانب آخر من النقص، قائلة: "نفتقد بذورًا مهمة، مثل البندورة والخيار، ولم نتمكن من توفيرها".

ولا يرتبط فقدان هذه الأصناف بتراجع الكميات فقط، بل بصعوبة العثور على بذورها المحلية بعد سنوات من تراجع الزراعة والاعتماد على البذور الهجينة.

مشكلة التخزين

إعادة جمع البذور لم تحل مشكلة الحفاظ عليها. فقبل الحرب، كان البنك يمتلك تجهيزات تسمح بتخزينها لسنوات، أما اليوم فيعمل بإمكانات بدائية لا توفر الحماية نفسها.

وتوضح هنادي: "قبل الحرب، كنا نستطيع حفظ البذور لسنوات، أما اليوم، في ظل غياب الثلاجات وانتشار القوارض، فلا نستطيع الاحتفاظ بها لأكثر من أربعة أشهر، وقريبًا سيتم توزيع الكمية المتوفرة على المزارعين".

ويحتاج المشروع إلى ثلاجات وعبوات محكمة وأجهزة لتفريغ الهواء ومصدر ثابت للكهرباء، وهي احتياجات ترتبط مباشرة بقدرته على حماية مخزونه.

وفي ظل غياب هذه الإمكانات، يضطر القائمون عليه إلى توزيع البذور بسرعة مع بداية الموسم، بدل الاحتفاظ بها لفترات طويلة قد تعرضها للتلف.

ذاكرة زراعية

بالنسبة إلى مهنا وابنته، لا تتوقف قيمة البنك عند توفير البذور للمزارعين، إذ يحاول المشروع أيضًا الحفاظ على أصناف محلية تناقلها المزارعون عبر أجيال.

ويصف مهنا أهمية هذه البذور قائلًا: "خلال الحرب، هي من ساعدتنا على البقاء".

فالبذور البلدية، في نظره، ليست مجرد مدخل للإنتاج، بل مورد يمكن للمزارع إكثاره والاحتفاظ به، بما يمنحه قدرًا من الاستقلال عن السوق في ظروف أصبحت فيها مستلزمات الزراعة أكثر ندرة وكلفة.

أما فقدان صنف محلي، فيعني فقدان إمكانية إعادة إنتاجه في المستقبل، خصوصًا إذا لم يعد متوفرًا لدى المزارعين.

دورة تستمر

يحاول بنك بذور القرارة اليوم بناء دورة بسيطة لكنها ضرورية: جمع البذور، حفظها، توزيعها، زراعتها، ثم استعادة جزء من الإنتاج وإعادته إلى المخزون.

كل دورة جديدة يمكن أن تزيد كمية البذور المتاحة، وتمنح مزارعين آخرين فرصة للزراعة، وتساعد في استعادة أصناف تراجعت أو اختفت.

وتؤكد هنادي أن العمل مستمر رغم محدودية الإمكانات، لأن توقف البنك يعني خسارة ما تبقى من البذور التي أمكن إنقاذها.

وفي قطاع فقد مساحات واسعة من أراضيه الزراعية ومستلزماته، لا يستطيع بنك صغير وحده إعادة بناء الزراعة، لكنه يحافظ على أحد شروط عودتها الأساسية.

فحين تتعطل الأرض، يمكن انتظار موسم آخر، وحين تتضرر المنشآت يمكن إعادة بنائها، أما البذرة المحلية التي تختفي فقد لا يكون من السهل العثور عليها مجددًا.

لهذا يواصل سالم مهنا وهنادي العمل على ما تبقى، واضعين البذرة في بداية الطريق نحو استعادة دورة الإنتاج الزراعي في غزة؛ بذرة تُزرع اليوم، لتمنح الأرض فرصة أخرى غدًا.

اخبار ذات صلة