ترجّل فتحي خازم «أبو الرعد» بعد رحلة ثقيلة من الفقد والمطاردة والصبر، وفي لحظة تبدو فيها الضفة الغربية كلها أمام مرحلة جديدة من الاستباحة الإسرائيلية، لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل الأرض والقرى والوجود الفلسطيني بكامله.
لم يكن أبو الرعد اسمًا عابرًا في جنين، فقد ارتبط اسمه بأبنائه الذين صنعوا حضورًا بطوليًا في الذاكرة الفلسطينية، وقدموا نموذجًا لجيل قرر أن يواجه الاحتلال وألا يتعايش مع واقع الاقتحامات والقتل والملاحقة.
وقد دفع أبو الرعد ثمنًا باهظًا؛ فقد أبناءه، وعاش المطاردة، وظل شاهدًا على مدينة لم تتوقف عن تقديم أبنائها في مواجهة الاحتلال.
رحيل أبو الرعد اليوم لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع في الضفة. فالمستوطنات تتمدد على التلال، والبؤر الاستيطانية تتكاثر، والقرى الفلسطينية تُحاصر بالبوابات والحواجز، والمزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم، في حين تتحرك مجموعات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال في محاولة واضحة لفرض واقع جديد يقوم على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وحشر الفلسطينيين في تجمعات صغيرة ومعزولة.
لم تعد الضفة أمام خطر استيطاني فقط، بل أمام مشروع شامل لإعادة رسم الجغرافيا والسيطرة على الطرق ومداخل المدن والقرى، وصولًا إلى تغيير شكل الحياة الفلسطينية نفسها. وفي الوقت ذاته، يواصل الاحتلال اقتحام جنين ونابلس وطولكرم والخليل وغيرها، ويعتقل ويغتال متى شاء، وكأنه يريد أن يقول إن كل الضفة أصبحت ساحة مفتوحة أمام جيشه ومستوطنيه.
في هذا الواقع يأتي اغتيال أبو الرعد ليعيد التأكيد أن الاحتلال لا يسقط حساباته مع الفلسطينيين، ولا يمنح ضمانات لأحد.
فحتى من ابتعد عن المشهد المباشر أو خفّض حضوره في السنوات الأخيرة، يبقى هدفًا عندما تقرر إسرائيل تصفية حساباتها معه.
كما يكشف المشهد مرة أخرى حجم العجز الفلسطيني الرسمي. فالسلطة التي يفترض بها حماية الناس وأرضهم تبدو عاجزة أمام اقتحامات الاحتلال، وعاجزة أمام تمدد المستوطنين ومحاصرة القرى، في حين يستمر الفلسطيني في دفع الثمن وحيدًا.
أبو الرعد وأبناؤه أصبحوا جزءًا من ذاكرة جنين ومن ذاكرة الضفة التي تواجه اليوم معركة وجود حقيقية. معركة لا تدور فقط حول مقاوم أو شهيد، بل حول قرية تصر على البقاء، وأرض يرفض صاحبها تركها، ومخيم لا يريد أن يفقد هويته.
وترجّل الفارس، لكن الحكاية لم تنتهِ.
ستبقى سيرة أبي الرعد وأبنائه حاضرة في جنين، كما ستبقى الضفة تقاوم محاولات محاصرتها واقتلاعها، لأن المعركة اليوم هي معركة الأرض والإنسان والذاكرة، ومعركة البقاء فوق هذه الأرض مهما اشتد الاحتلال والاستيطان.

