من غير الممكن استشراف مستقبل الشرق الأوسط بعيدًا عن وعي بنيته القائمة، ووعي الأهداف الاستراتيجية للقوى الدولية، ثم محاولة الربط بين الصراعات القائمة أو المتجددة لفهم مآلاتها المستقبلية.
أولًا: البنية القائمة: بالقياس الكمي وبمنهجيات علمية صارمة، فإن منطقتنا تحتل بين الأقاليم الجيوسياسية التسعة في العالم مكانة على النحو التالي:
1- هي أعلى مناطق العالم في عدم الاستقرار السياسي من ناحية، والاستبداد السياسي من ناحية ثانية.
2- هي من أقل مناطق العالم في معدل الإنفاق على البحث العلمي، رغم أن هذا البعد هو دالة التطور.
3- هي الأعلى عالميًا في درجة الاختراق الخارجي لها، ما يجعلها الأقل سيادة واستقلالًا في قرارها الداخلي والخارجي.
4- هي الأعلى في معدلات الإنفاق العسكري، ولكنها الأعلى في الهزائم الاستراتيجية.
هنا يصبح طرح التساؤل التالي ضروريًا: هل بنية بهذه المعطيات مؤهلة للتطور؟
ثانيًا: الصراع على المنطقة وفيها: إن الصراع الدائر حاليًا بين الولايات المتحدة وإيران، والصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، والصدوع الاجتماعية في لبنان وسوريا والعراق والسودان وليبيا واليمن، شاخصة وبقوة، بينما باقي الدول العربية «النار تحت الرماد»، وكل ذلك لا يجوز استبعاده عند تحليل المعركة الحالية بين إيران والولايات المتحدة، والتي أمامها اتجاهات ثلاثة:
أ- تغير القوة المركزية للنظام الإقليمي الشرق أوسطي: ويبدو أن بعض الملامح تعزز هذا التوقع، ولكن دون مغالاة، فكل المؤشرات للصراع الحالي تشير إلى أن «الولايات المتحدة لم تنتصر» على إيران (رغم العبء الثقيل الذي تحملته إيران من الضربات الأمريكية والإسرائيلية)، كما أن إيران لم تنهزم رغم تفوق الإمكانيات بين الطرفين. وهذه النتيجة تغوي المراقب ليتلمس بوادر «تآكل» في المنظومة الإقليمية التي سعت الولايات المتحدة منذ كامب ديفيد لتكريسها. وهنا من الضروري أن نربط بين «عدم انتصار الولايات المتحدة» في إيران حاليًا، مع فشلها الذي سبق في أفغانستان عندما انسحبت منها في آب 2021 بعد عشرين عامًا من غزوها، كما يمكن توظيف الفشل الأمريكي في ترتيب الوضع العراقي كمؤشر على أن قدرة الولايات المتحدة على تنظيم «الإقليم» استراتيجيًا أصابها بعض العطب، وجاءت ثالثة الأثافي مع حرب إيران الحالية، فلا هي قادرة على إسقاط النظام، ولا على فتح مضيق هرمز، ولا تقييد أذرع إيران في الإقليم، بل ولا التحكم في أسعار الطاقة التي تعد مسألة استراتيجية للعالم كله، بل إن النظام الإيراني كشف عن قدرة تكيُّف لا بأس بها مع تفاعلات المواجهة في مختلف تطوراتها.
فإذا أضفنا للمشهد الإقليمي الفشل الأمريكي في تسوية القضية الفلسطينية –ولو بأي شكل–، فإن ذلك يعزز الشعور «بفشل أمريكي متزايد» في ترتيب الإقليم، وهو ما يقود تدريجيًا إلى تآكل تدريجي لمصداقية الاستراتيجية الأمريكية في عيون حلفائها في المنطقة، بما فيها إسرائيل، بخاصة مع تنامي النفور المجتمعي الأمريكي تدريجيًا من «السياسات الإسرائيلية»، وهو ما يقيد حرية الرئيس الأمريكي في مواصلة تعاطفه المساند لإسرائيل.
وفي بعض المظاهر يتبين أن الولايات المتحدة ذاتها أضرت بنفسها، فإذا كانت إيران هي مركز الخطر على المصالح الأمريكية (تثوير المنطقة، تأجيج الإسلام السياسي، التمدد التكتيكي والاستراتيجي في أوصال المنطقة، النزوع النووي، التحالفات مع روسيا والصين وكوريا الشمالية... إلخ)، فإن أمريكا لجمت قوى معادية وأساسية لإيران، وفي طليعتها النظام البعثي في العراق، فدول الخليج الأخرى أعجز من القدرة على مناطحة إيران، ومع إسقاط النظام الصدامي، أصبحت العراق في قطاع غير بسيط عونًا لإيران بدلًا من أن تكون عبئًا، وكأن الولايات المتحدة أطلقت النار على قدمها.
ومع أن إيران لم تصل لمرحلة النموذج الجاذب لقطاعات عربية واسعة، إلا أن أداءها في المواجهة الأخيرة خلق «انطباعًا أكبر بعض الشيء من التهيب والتوقير للأداء الإيراني»، وبهذا تكون الولايات المتحدة فتحت قناة جديدة لإيران لترشيحها «كمركز للإقليم»، وبالتالي تكون إحدى محددات القرار الإقليمي، مما يعني تهميش القوى التقليدية التي التصقت تاريخيًا بالقطار الأمريكي، وهو ما تعزز في دفع هذه الدول التقليدية لأثمان عالية في بنياتها التحتية بسبب القصف الإيراني، واكتشاف أن القواعد العسكرية فيها تحولت لعبء بعد الوهم بأنها درع، وهو ما شكل بذرة تساؤلات داخل مجتمعات هذه الأقطار العربية ذاتها.
ب- إذا كان الوزن الأمريكي في صنع القرار للمنطقة قد أصابه «بعض الخلل»، لا كله، فإن القوى الدولية لا تبدو متلهفة –كما كان الحال في فترة الحرب الباردة– على ملء الفراغات التي تتركها أمريكا، فاستراتيجية الصين تقوم على براغماتية مفرطة، غاياتها التوسع من منطلق منظور غير صفري، فهي معنية بمشروعها الاستراتيجي للمنطقة (الحزام والطريق) أكثر من عنايتها بالتمدد من منظور صفري، كما أن روسيا منخرطة في صراع دموي متواصل مع أوروبا في أوكرانيا، ولها هموم جيوستراتيجية أكثر من همومها الأيديولوجية، كما كان الوضع في الحرب الباردة، ولعل هذا التراخي من القوى الدولية المركزية تجاه المنطقة، نتيجة تبني استراتيجيات متشابكة مع منظور غير صفري متزايد في العلاقات الدولية، سيجعل التراخي الأمريكي في المنطقة متسقًا مع «بنية الإقليم الجديدة» من ناحية، ومع التراجع الأمريكي عالميًا من ناحية ثانية.
ت- يبدو أن إسرائيل هي المستفيد الأول من كل ما يجري، وإن تكن هذه الفائدة لها ثمن لم تعهده إسرائيل (تراجع في معدل الاستقرار السياسي حوالي 40 مرتبة)، وتراجع كبير في مكانتها الدولية، ونفقات اقتصادية وعسكرية متزايدة، ناهيك عن نزيف بشري من خلال الهجرة والحروب التي لم تتوقف تقريبًا. أما الفائدة الإسرائيلية فتتجلى في: تحييد القوى العسكرية العربية في دول الجوار لها عبر التطبيع أو القوة المباشرة أو الصراع الداخلي في هذه الأقطار العربية، واستمرار التوسع مترافقًا مع استمرار الانفتاح العربي معها، وهو ما تفسره إسرائيل على أنه تنامٍ لفك الدول العربية ارتباطها بالقضية الفلسطينية، ناهيك عن قدرتها لتحويل سلطة أوسلو إلى وكيل أمني لها، وانصراف هذه السلطة عن الموضوع الاستراتيجي، وهو التحرير. ولعل ذلك هو ما يشير إلى أن إسرائيل ستبني تصورها القادم على النحو التالي:
1- تسريع الاستيطان لتكريس أمر واقع، ليتم حل المشاكل مع الفلسطينيين لاحقًا من خلال هذا الواقع، وهذا تكتيك إسرائيلي ثابت: خلق واقع مطلوب إسرائيليًا، ثم دعوة الطرف الأخير للتفاوض ضمن جدران الواقع الذي صنعته.
2- العمل وبقوة على تكريس مناطق عازلة بينها وبين الدول العربية المجاورة، ونعتقد أن هذا هدف لن تتخلى عنه إسرائيل، فستعمل على احتلال أشرطة برية بجوار كل دولة (مصر والأردن وسوريا ولبنان)، وجعلها إما مناطق محايدة (No man's land)، أو فارغة من السكان، أو فيها قوات دولية.
3- خلق ظروف طاردة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية من خلال التضييق الاقتصادي، وجلب عمالة غير فلسطينية، ومصادرة المزيد من الأراضي، ثم تعطيل إعادة الإعمار في غزة والضفة، وربما البدء لاحقًا في إغلاق مؤسسات السلطة تدريجيًا، مع العمل على تشجيع دول مثل كندا وأستراليا وبعض دول أمريكا اللاتينية أو أوروبا لاستقبال الفلسطينيين.
4- توسيع دائرة الدول التي لم تعد تتعامل مع وكالة الغوث، ثم إقناع دول عربية بدمج المهاجرين الفلسطينيين فيها بأكبر قدر ممكن.
5- قد تراهن إسرائيل على احتمالين قادمين:
أ- أن تتمكن من جر الولايات المتحدة مرة أخرى لمواجهة أقسى مع إيران.
ب- أن تشعر إيران بأن الانخراط في الشرق الأوسط أصبح مرهقًا، مما قد يدفعها للتحول نحو فضاءات جيوستراتيجية خَبِرَتْها تاريخيًا في القفقاس وآسيا الوسطى... إلخ.
6- العمل بكل جهد على إبقاء مصر في حالة انشغال عن البيئة الإقليمية عبر اختراقات لها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتقنيًا.
7- تعزيز الاختراقات الأمنية في العالم العربي بشريًا (بخاصة مع الأقليات والثقافات الفرعية)، وتكنولوجيًا (سيبرانيًا).
8- استمرار السعي لتوسيع قاعدة التطبيع وصولًا إلى احتمال أن تطلب مقعد «عضو مراقب» في الجامعة العربية.
9- لكن إسرائيل تدرك أن التسلح النووي في إيران هو خيار استراتيجي، وأن إيران تقف في أقل تقدير عند العتبة النووية، وهو ما ينطوي على ضرورة للتفكير بطريقة غير تقليدية، كما أن التطور التكنولوجي، حتى على مستوى التنظيمات السياسية المسلحة، أضحى من السيناريوهات المحتملة جدًا، والتي تنطوي على مخاطر عليها من هذه التنظيمات ومن إيران أو غيرها.
لمواجهة الفرص والتحديات، على الدول العربية أن تدرك أن استمرار أولوية أمن النظام على حساب أمن المجتمع أو أمن الدولة لم يعد يصلح على الإطلاق، لأن نتيجة هذه السياسات هي فقدان أمن المجتمع والدولة والنظام... فاصنعوا التغيير بدل أن تنتظروه... ربما.