بينما يعيش النازحون في خيام مهترئة وسط مخاطر أمنية متواصلة ونقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية على بُعد مئات الأمتار من "الخط الأصفر" في حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة، يتساءل أصحاب المنازل المدمرة هناك عن دور المؤسسات الدولية التي لا تصل إلى مناطقهم بذريعة خطورتها.
وتتقاطع تفاصيل الحياة اليومية للنازحين مع الخوف من إطلاق جيش الاحتلال الإسرائيلي نيران أسلحته الرشاشة، وقذائف مدفعيته أيضًا، في حين يصعب على سيارات الإسعاف وفرق الإغاثة الوصول إلى المكان، ويضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة لجلب المياه أو الوصول إلى نقاط التعليم.
وخلال ندوة عقدتها صحيفة "فلسطين" ضمن برنامج "نبض غزة" وأدارها الزميل نبيل سنونو داخل أحد مراكز الإيواء، جنوبي حي الزيتون، أمس، التقى فريق من صحفيي الصحيفة بمسؤولي عدد من مخيمات الإيواء والناشطين الذين تحدثوا عن ظروف النازحين ومطالبهم، ودعوا المؤسسات الدولية إلى الوصول إلى المنطقة وتوفير احتياجات سكانها.
وأكد المتحدثون أن مأساة النزوح في المناطق القريبة من "الخط الأصفر"، لا تقتصر على إطلاق النار المستمر من جيش الاحتلال وآلياته، بل تشمل أيضًا انتهاكات جسيمة تنفذها مليشيات عملاء الاحتلال التي تتمركز في خطوط متقدمة للجيش، وتنفذ مهمات بطلب من ضباط مخابرات إسرائيليين.
أوضاع صعبة
وقال مدير مخيمات جنوبي حي الزيتون سامي الضاش: إن "مخيمات الإيواء تقع في منطقة (قرب الخط الأصفر) تضم خيامًا مهترئة، ويعيش سكانها في ظروف بالغة الصعوبة بسبب الخطر الأمني المستمر".
وأوضح الضاش في كلمة خلال برنامج "نبض غزة"، أن مكعبات "الخط الأصفر" أُزيحت قبل مدة قصيرة باتجاه الغرب، وترافق ذلك مع إطلاق نار عشوائي، مضيفًا أن "الخطر يزداد خلال الليل مع اقتراب الآليات من الخط وما يرافقه من إطلاق نار وقصف مدفعي".
وتابع: إن السكان لا يستطيعون مغادرة المخيمات في الأوقات التي تشهد إطلاق نيران من آليات الاحتلال، وإن تحركاتهم تتم بحذر، مشيرًا إلى أن هذه النيران تطال مناطق مختلفة وتسببت بإصابة مواطنين واستشهاد آخرين.
وأشار إلى أن العائلة المكونة من ستة أو سبعة أفراد تحصل في بعض المخيمات القريبة من "الخط الأصفر" على نحو 20 لترًا فقط من مياه الشرب يوميًا، واصفًا المنطقة بأنها "مهمشة وهشة ولا تلقى اهتمامًا من أحد".
وأشار إلى وجود نحو 200 أرملة في مخيمات جنوب حي الزيتون، موضحًا أن أوضاعهن المعيشية تزداد صعوبة في ظل نقص الخدمات والموارد.
وفي مجال التعليم، قال الضاش: إن "إدارة المخيمات بدأت تجهيز خيام لتكون صفوفًا دراسية استعدادًا للعام الدراسي الجديد، إلا أن الإقبال لا يزال محدودًا بسبب التهديد الأمني وإطلاق النار المستمر.
احتجاج دون إغاثة
وبين أن سكان المخيمات نظموا وقفة احتجاجية على سوء الأوضاع، مطالبًا بتوفير مبادرات تعليمية للأطفال في مناطق النزوح.
وتابع: إن نازحين من حي الزيتون لم يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم بسبب عدم توفر أماكن مناسبة لنصب الخيام، مشيرًا إلى أن بعض الجمعيات الإغاثية رفضت التعامل معهم بذريعة المخاطر التي قد تتعرض لها فرقها الميدانية لقرب المخيمات من "الخط الأصفر".
وتزيد أزمة الصرف الصحي من معاناة السكان، وفق الضاش، إذ تتشارك العائلات دورات المياه مع غياب شبكات الصرف الصحي، ما يدفعها إلى إنشاء حفر امتصاصية تتحول مع الوقت إلى مكاره صحية وبيئية.
وطالب الضاش بإنشاء نقطة طبية في منطقة جنوبي حي الزيتون، بسبب بُعدها عن المستشفيات وصعوبة وصول سيارات الإسعاف إليها، خصوصًا في ظل الدمار الذي غيّر معالم المنطقة.
معاناة يومية
من جهتها، قالت مديرة مخيم فرح في حي الزيتون ريم ارحيم: إن "سكان المخيم يعانون نقص المياه ووسائل النقل، ما يدفع الأطفال إلى البحث عن المياه في مناطق قريبة".
وأضافت في كلمة خلال الندوة، أن عائلات تمضي أيامًا دون مياه صالحة للشرب، فيما تواجه الأرامل صعوبات كبيرة في تدبير شؤون أسرهن وإعالة أطفالهن.
وأشارت ارحيم إلى صعوبة وصول سيارات الإسعاف عند الحاجة إلى نقل الحالات المرضية إلى المستشفيات، مؤكدة أن مخيمات حي الزيتون تعاني التهميش وتحتاج إلى تدخل المؤسسات الدولية.
وأضافت أن مؤسسات نسوية رفضت التعامل مع النساء في الخيام القريبة من "الخط الأصفر"، رغم طرق أبوابها وطلب الدعم، مشيرة إلى تنفيذ مبادرات ذاتية للتخفيف عن الأطفال في ظل تدهور أوضاعهم النفسية.
وتابعت: إن "المخيمات تفتقد الإنارة خلال ساعات الليل، وإن السكان بحاجة إلى الحد الأدنى من مقومات الصمود حتى يتمكنوا من البقاء في المنطقة".
غياب الموارد والخدمات
بدورها، قالت سوزان صمامة العضو في العمل النسائي بمخيم دار السلام، إن "النازحين فقدوا كثيرًا من الموارد الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والمياه، ولم تعد تتوفر لديهم أدنى مقومات الحياة".
وأوضحت صمامة خلال برنامج "نبض غزة"، أن الأطفال يقطعون مسافات طويلة لتلبية احتياجات عائلاتهم، في حين يحتاج المرضى إلى الأدوية، وتحتاج الأسر التي لديها مواليد إلى الحليب وحفاظات الأطفال.
وأضافت، أن فقدان الأمان والقدرة على الإعالة من أبرز الإشكالات التي تواجه الأسر، مشيرة إلى أن الأرامل يتحملن مسؤولية إعالة أطفالهن في ظروف قاسية، بينما يعيش الأطفال تداعيات هذه الظروف بصورة مستمرة.
أما محمد شلدان، مدير مخيم دار السلام في حي الزيتون، قال إن "سكان غزة أظهروا قدرة كبيرة على الصمود، لكن طاقة التحمل لها حدود".
وأوضح شلدان خلال برنامج "نبض غزة"، أن مسؤولي المخيمات شكلوا فريقًا للتواصل مع الجهات الدولية والمؤسسات المختلفة، لكن الرد الذي تلقوه كان أن الفرق غير قادرة على الوصول إلى المناطق القريبة من "الخط الأصفر".
صمود بحاجة للدعم
وتابع شلدان أن "سكان المنطقة يتمسكون بالبقاء على الرغم من تمدد (الخط الأصفر)، مشيرًا إلى أن اقترابه من المخيمات يحول في كثير من الأحيان دون قدرة السكان على مغادرة خيامهم".
وأضاف أن بعض التكايا توفر الطعام لمخيمات حي الزيتون، لكن استمرار قربهم من "الخط الأصفر" يحد من وصول الدعم إليها، مؤكدًا أن الجهود المحلية مستمرة لدعم صمود المواطنين.
وأشار إلى حاجة خيام النزوح إلى الاستبدال، إضافة إلى نقص مواد النظافة، موضحًا أن أطفالًا يقطعون مسافة لا تقل عن كيلومتر للوصول إلى نقطة تعليمية.
وقال تيسير ملكة، مسؤول العلاقات العامة في مخيمات حي الزيتون في المنطقة الجنوبية، إن "هناك تهميشًا في التعامل مع مخيمات جنوب مدينة غزة، خصوصًا في مواجهة انتشار القوارض".
وأوضح أن الجرذان تهاجم النازحين، ولا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، وأجبرت بعضهم على مغادرة خيامهم، مطالبًا بتوفير إغاثة عاجلة للسكان.
وبين مخاطر "الخط الأصفر" الذي يصادر قسرًا قرابة 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة، ونقص المياه والغذاء والرعاية الصحية والتعليم، يجد النازحون أنفسهم أمام واقع إنساني متدهور، بينما تبقى قدرتهم على الصمود مرتبطة بوصول المساعدات وتوفير الخدمات الأساسية إلى المنطقة التي يقولون إن المؤسسات الدولية تتجنب الوصول إليها.