من عجائب هذا الزمن أن تُشهر إسرائيل أسلحتها في وجه لعبة أطفال، فبعد أن استنفدت ذرائعها لخرق الاتفاق ومواصلة استهداف المدنيين في غزة، ابتكرت خرافة جديدة: طائرات ورقية يطيّرها أطفال في سماء القطاع، قد ينقطع خيط إحداها أحيانًا، فتحلّق نحو حدود الكيان.
الأدهى من الخرافة نفسها أن مجلس السلام تلقّفها وصدّق عليها، فاعتبر هذه الألعاب الورقية "تهديدًا أمنيًا" يبرر لإسرائيل حق التدخل، رغم أن الجيش الإسرائيلي ذاته أقرّ بخلوّها من أي مواد من الممكن أن تسبب ضررًا.
إن استخفاف إسرائيل بالاتفاق وبمن ضمن الاتفاق، وتساوق مجلس السلام مع هذا الاستخفاف، يضع علامة استفهام عن مدى إمكانية تنفيذ الاتفاق.
فحين تتحول لعبة أطفال إلى "تهديد أمني" يستوجب تدخلًا عسكريًا، تُكسر كل القواعد وتُقلب المعاني رأسًا على عقب، فمنذ اليوم، لا حدود لعدوان إسرائيل، ولو كانت طرفًا في اتفاق موقّع؛ إذ يكفيها أن تسمي أي شيء "تهديدًا" لتمنح نفسها حق الرد، فيما يقف مجلس السلام على أهبة الاستعداد لتصديق كل رواية تصدر عنها، مهما بلغت من السذاجة.
ومن أبجديات القانون الدولي مبدأ التناسب؛ فلا يجوز الرد على طلقة من سلاح خفيف بصاروخ، فكيف يكون الرد بتدمير منازل واستهداف عشرات المدنيين، على خلفية طائرة ورقية عبرت الحدود دون أن تمسّ أحدًا بأذى؟
مجلس كهذا، يغض الطرف عن أبسط قواعد القانون الدولي ويسوّغ استمرار الإبادة، لا يملك أدنى حق في تقديم نفسه كجهة دولية محايدة.
يحاول الاحتلال اليوم أن يفرض على قطاع غزة قبول الأمر الواقع الذي يواصل فيه استهداف المواطنين دون توقف، ويمنع دخول المواد الأساسية لتعافي القطاع وإعادة الإعمار، وفي الوقت نفسه يهدد بأنه إن قوبل بأي رد، فلن يتردد في تصعيد إجرامه، بل يلوّح مجددًا بشبح النزوح ومنع دخول المواد الغذائية سلاحًا للضغط.
إن هذه الوقاحة ليست موجهة لغزة وحدها، بل هي تحدٍّ سافر لكل دول المنطقة، وطعنة في صميم منظومة النظام الدولي بأسره، فإما أن تتحرك دول المنطقة بخطوات عملية وحازمة لكبح هذا الكيان الذي بات يهدد استقرار الإقليم بأسره، وإما أن يُترك المشهد ليكرّس قاعدة خطيرة: أن لا سقف لعدوان يملك من يبرره، ومن يصفّق له.