منذ الساعات الأولى لحرب الإبادة، وجد رجل الدفاع المدني أحمد رضوان نفسه في قلب الركام، يبحث بيديه عن حياة اختفت تحت أنقاض المنازل.
في إحدى أصعب مهماته، كان طفل في الخامسة عشرة من عمره عالقًا تحت منزل مدمر، محاطًا بجثامين أفراد عائلته. وعندما تعثر وصول فرق الإنقاذ إليه، مدَّ أفرادها عبر فتحة صغيرة في السقف أنبوبًا للماء وآخر للأكسجين، وحفروا لساعات حتى تمكنوا من إخراجه حيًا.
كان هذا المشهد واحدًا من عشرات المواقف الصعبة التي عاشها رضوان منذ التحاقه بجهاز الدفاع المدني عام 2008، في حين تركت مجازر الاحتلال في جسده وذاكرته آثارًا لا تمحى.
طفل تحت الركام
يقول رضوان: إن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرته مشهد الأطفال تحت الأنقاض. "لم نمر على منزل مستهدف إلا وكان فيه أطفال".
في حي الجنينة بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، كان الطفل عالقًا بين الركام، في حين بقي أفراد أسرته شهداء إلى جواره، استمرت عملية إنقاذه منذ ساعات الصباح حتى صلاة العصر، قرابة ثماني إلى عشر ساعات، حاول خلالها رجال الدفاع المدني إبقاءه حيًا بالماء والأكسجين عبر فتحة ضيقة.
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "كان إصرار الطواقم كبيرًا على الاستمرار حتى النفس الأخير، قبل أن يتمكنوا من إخراج الطفل بأيديهم، ثم تدخلت جرافة لاحقاً لاستكمال المهمة".
مسعف وموثق
يبلغ رضوان (45 عامًا)، التحق بمهمات الإنقاذ في اليوم الأول لاندلاع حرب الإبادة، يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تولى أيضًا مسؤولية توثيق مهمات الدفاع المدني ونقلها إلى وسائل الإعلام.
كان يحمل الكاميرا ومعدات الإسعاف في الوقت نفسه، ويرافق الطواقم إلى مواقع القصف، ويسهم في انتشال الشهداء وإنقاذ المصابين ونقلهم إلى المستشفيات.

في حي الشابورة، شهد أول مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي وهي استهداف منزل عائلة أبو قوطة المكون من أربع طبقات خرسانية، وأسفر القصف عن عشرات الشهداء والمصابين والمفقودين، معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين.
كما شهد ووثق عمليات الانتشال والإنقاذ لعشرات المجازر الإسرائيلية، ففي برج أبو زهري، استمرت عمليات البحث أيامًا تحت كتل خرسانية خطرة قبل العثور على إحدى الجثث.
أطفال بين الخرسانة
في مخيم بشيت، جنوبي القطاع، استُهدف منزل عائلة أبو هلال بقنبلة من طائرة حربية، وبين الأنقاض بحثت الطواقم عن ناجين، ومنهم طفل اسمه عبد الرحمن.
وخلال عملية الإنقاذ، تسرب الغاز واندلع حريق داخل المبنى، فتحول موقع الإنقاذ نفسه إلى مساحة للموت. حينها اضطر رضوان إلى ترك التوثيق والمشاركة في إخماد الحريق وإخلاء المصابين في مكان ضيق، وسط نقص حاد في المعدات.
وفي تل السلطان، استغرق إنقاذ طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره، قرابة خمس ساعات بعد انهيار طابق خرساني فوق جسده، حيث استخدم المنقذون أدوات بدائية وآلات بسيطة لإحداث فتحات في الخرسانة وتثبيت ساقيه المهروستين قبل إخراجه.
أما في حي الزهور، فكانت المفاجأة ظهور يد فتاة في السابعة عشرة تتحرك تحت أنقاض منزل عائلة حرب المدفون داخل حفرة بعمق ستة أمتار، لحظتها أوقف المنقذون التجريف الآلي وبدأوا الحفر يدويًا حتى أخرجوا الفتاة على قيد الحياة.
القصف يطارد المنقذين
لم يكن رجال الدفاع المدني بعيدين عن الاستهداف، في يناير/ كانون الثاني 2024، توجه رضوان إلى منزل عائلة أبو نجا في منطقة محررات ميراج بعد قصفه ومقتل جميع من بداخله.
وبعد نحو نصف ساعة من وصول الطواقم، أغارت الطائرات الحربية على مكان قريب منهم، أصيب رضوان بآلام حادة في أذنه، وما زال يعاني من آثارها، فيما أصيب أحد زملائه في ظهره، وتضررت جرافة وسيارة إطفاء من الشظايا.
كان رضوان قائدًا للمهمة، فسحب الطواقم إلى مكان آمن، لكنهم اكتشفوا أن القصف طال خيمة قريبة، فتعاملوا مع مصابين اثنين ونقلوهما إلى مستشفى أبو يوسف النجار.
أحد عشر نزوحًا
نزحت طواقم الدفاع المدني، وفق رضوان، نحو 11 مرة بين رفح ومواصي خان يونس في جنوبي القطاع، لكنها لم تتوقف عن العمل.
كانوا يتوزعون بين مناطق رفح المختلفة ويستجيبون لنداءات الاستغاثة، وأحيانًا يضطرون إلى ترك الجثث والمصابين مؤقتًا بسبب استمرار القصف وإعادة استهداف الموقع، ثم يعودون بعد هدوء المنطقة.
يقول رضوان: إنهم عاشوا مفاضلة مؤلمة بسبب نقص الوقود والمعدات: من ينقذون أولاً؛ الأقرب أم الأكثر خطورة؟
تعطل سيارة الإسعاف
يصف رضوان نقص المعدات بأنه "مشكلة متفاقمة قديمة متجددة"، فقد تعرضت مركبات الدفاع المدني للاستهداف والتعطل، فيما يصعب توفير الوقود والزيوت وقطع الغيار.
وفي إحدى المرات، خرجت سيارة إسعاف من الخدمة قرابة ثلاثة أسابيع بسبب الإطارات المهترئة ونقص الزيوت وقطع الغيار، ما منع الطواقم من الوصول إلى مصابين بحاجة إلى الإنقاذ.

في رفح، فقد الدفاع المدني 14 شهيدًا، بحسب رضوان، بينهم ستة قضوا في مجزرة تل السلطان في أثناء أداء مهمتهم.
يستذكر زملاءه يوسف خليفة وفؤاد الجمل وأنور العطار، ويقول إن هدفهم كان دائمًا "إغاثة الملهوفين والمستغيثين من أطفال ونساء".
ومن أكثر المواقف التي بقيت في ذاكرته، إصرار فؤاد الجمل على إنقاذ سيارة الإطفاء الوحيدة التي تخدم رفح فيأثناء توغل الدبابات في منطقة الشاكوش، ورغم أنه سائق إسعاف ولا يجيد قيادة الإطفائية، قادها وسط إطلاق النار برفقة أنور العطار، وأبعدها عن الخطر، لاحقًا دمر الاحتلال المركبة ودفنها مع الشهداء الستة في مجزرة تل السلطان.
الحرب داخل الذاكرة
ولا تزال آثار الحرب حاضرة في جسد رضوان، منذ ديسمبر/ كانون الأول 2023، يعاني طنينا وأزيزا مستمرين في أذنه، إضافة إلى الأرق والصداع والدوار وعدم التوازن، نتيجة الانفجارات التي وقعت بالقرب منه وهو يؤدي مهمات الإنقاذ.
حتى رائحة الدماء والبارود أصبحت جزءًا أساسيًا من حياته، فكلما استنشق رائحة تفوح من مكان مقصوف تندلع فيه النيران وتتصاعد منه أعمدة الدخان، تعيده الذاكرة إلى قسوة المشاهد التي رآها في خضمّ الحرب، ويشعر بتوتر شديد.
يقول: إن مشاهد الأطفال والأشلاء غيّرت سلوكه ونبرة صوته، وزادت عاطفته وخوفه على أطفاله.
"لن نخلف عهدنا"
وبالرغم من كل ما عاشه من تفاصيل قاسية، لا يرى رضوان في التراجع خيارًا، يقول: إن "رجال الدفاع المدني اصطفاهم الله بعد أداء مهامهم الإنسانية، ونحن مستمرون رغم الخطر ونقص الإمكانات وانعدام الرواتب المنتظمة".
ويتلقى العاملون، وفق قوله، نحو ألف شيكل كل مئة يوم، وهو مبلغ لا يكفي لأسبوع في وجود الغلاء الفاحش والحصار، لكن حين يصل نداء الاستغاثة، لا يبقى أمامهم سوى التحرك.
وتابع: "قد ندخل الأماكن الخطرة ولا نعرف إن كنا سنعود، لكن ما يدفعنا هو الإنسان العالق تحت الركام، والطفل الذي ينتظر يدًا تمتد إليه".

