منذ دخول اتفاق التهدئة الشامل حيّز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، يبدو المشهد الفلسطيني كأنه يراوح بين لغتين متوازيتين لا تلتقيان: لغة “السلام” التي يتحدث بها البيت الأبيض و”مجلس السلام” برئاسة نيكولاي ملادينوف، ولغة الميدان التي لا تزال تسجّل الاجتياحات والاعتقالات وعمليات الهدم في الضفة، والغارات المتقطعة على غزة بالرغم من الاتفاق. هذه الازدواجية ليست عارضًا طارئاً، بل بنية متكررة في كل مرحلة انتقالية مرّت بها القضية الفلسطينية منذ أوسلو: “سلام” يُدار كإجراء إداري لضبط السكان، لا كتسوية سياسية تنهي علاقة السيطرة.
المرحلة الثانية: من وقف النار إلى ملف السلاح
المحور الأكثر دلالة هذا الأسبوع هو الخلاف المتصاعد بشأن آلية تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية؛ فبينما يقوم تصوّر “مجلس السلام” على نزع سلاح حماس والتحقق منه تدريجيًا، منطقة تلو أخرى، على أن تنسحب قوات الاحتلال "الإسرائيلي" من كل منطقة فور التأكد من إخلائها من السلاح، يتمسك نتنياهو بمطلب إتمام نزع السلاح في كامل القطاع شرطا سابقا لأي انسحاب إضافي. وتشمل الخلافات أيضًا مصير الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ومخازن الأسلحة، ومنشآت تصنيع الوسائل القتالية والأنفاق، إضافة إلى الجهة التي ستتولى فرض الاتفاق في حال خرق حماس له.
هذا الخلاف على التسلسل ليس تفصيلاً تقنياً؛ فهو يعكس صراعاً على من يملك سلطة تعريف الأمن المُنجَز وتوقيته، أي من يملك، بالمعنى الفوكوي، حق ضبط الزمن الانتقالي وتحديد لحظة انتهاء حالة الاستثناء الأمنية، وقد فرض نتنياهو رفضه العلني لخطة نزع السلاح، تحت ضغط شركائه الائتلافيين ومنافسيه، يوم الأحد الماضي، رغم تعهده هاتفياً لكوشنر قبل أيام بإعطاء الخطة فرصة، يكشف أن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع “السلام” بوصفه أداة تفاوضية داخلية أكثر منه التزاماً استراتيجياً.
ولا يمكن فصل هذا التعنّت عن التقويم الانتخابي؛ فالانتخابات "الإسرائيلية" المقررة في تشرين الأول المقبل تضيف حساسية سياسية إلى المفاوضات بشأن مستقبل غزة، ما يجعل أي تنازل ميداني مكلفاً انتخابياً لنتنياهو أمام يمين ائتلافه. زيارة كوشنر وملادينوف وتوني بلير المرتقبة لإسرائيل ومصر تأتي إذن كمحاولة أمريكية لاحتواء هذا التصادم بين منطق الصفقة الدولية ومنطق البقاء السياسي الداخلي "الإسرائيلي"، لا كخطوة نحو حسم فعلي.
الضفة: من الاستثناء إلى التطبيع الإداري:
في موازاة ملف غزة، يشهد ملف الضفة الغربية تحولاً بنيوياً أخطر من حيث الأثر طويل المدى: نقل صلاحيات “إنفاذ القانون” على المستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية. هذا القرار، وإن بدا إجرائيًا، يمثل انتقالًا من إدارة الضفة كمنطقة عسكرية مؤقتة إلى إدارتها كامتداد سيادي إسرائيلي عادي يخضع لأجهزة الدولة المدنية لا لقوانين الاحتلال العسكري - وهو بالضبط الفرق الذي يميز “الاستثناء الدائم” عن “الضم الفعلي”، ويترافق هذا مع استمرار حصار عدد من منازل بلدة قصرة واعتداءات المستوطنين المتصاعدة، في نمط أصبح يُعرف في الأدبيات الحقوقية بـ”عنف الاستيطان بالوكالة” الذي تديره الدولة دون أن تتحمل مسؤوليته المباشرة.
البعد الإقليمي: غزة في ظل معمار أمني ما بعد الحرب الإيرانية:
القضية الفلسطينية اليوم لا تُدار في فراغ إقليمي، بل ضمن معمار أمني أعاد تشكله بالكامل بعد حرب شباط/فبراير 2026 بين الاحتلال "الاسرائيلي" والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى. فالحصار البحري الأمريكي المعاد فرضه على إيران، والتوتر المستمر في مضيق هرمز، يجريان بالتوازي مع تصعيد حدودي بين سوريا والعراق: دمشق، إلى جانب الأردن والسعودية، وجّهت تحذيرات لبغداد بأن أي هجوم تنطلق شرارته من الأراضي العراقية باتجاه أراضيها سيقابَل بضربات مباشرة تستهدف الفصائل الموالية لإيران داخل العراق.
من زاوية الواقعية الهجومية عند ميرشايمر، هذا المشهد يعكس منطقاً متوقعاً: الفراغ النسبي الذي خلّفه إضعاف “محور المقاومة” بعد الحرب الإيرانية لم يُنتج استقراراً، بل دفع القوى الإقليمية (سوريا الجديدة، الأردن، السعودية) إلى موازنة استباقية ضد الفاعلين غير الدولاتيين الموالين لإيران، خشية أن تتحول أراضيها إلى ساحة استنزاف بديلة. وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية بالنسبة للقضية الفلسطينية: كلما تعمّق الانشغال الإقليمي بضبط تداعيات الحرب الإيرانية وترتيب موازين الردع الجديدة، تراجعت غزة والضفة من موقع القضية المركزية إلى موقع الملف المُدار ضمن هندسة إقليمية أوسع يقودها ترامب عبر “مجلس السلام”، لا عبر مسار سياسي فلسطيني مستقل.
الخلاصة:
الخيط الناظم بين المسارين الفلسطيني والإقليمي هو أن كليهما بات محكوماً بمنطق “الإدارة” بدل “التسوية”: في غزة، إدارة ملف السلاح زمنياً ومكانياً؛ في الضفة، إدارة الاستيطان عبر أدوات مدنية أكثر ديمومة؛ وفي الإقليم، إدارة توازن الردع مع إيران عبر تحالفات مؤقتة بين دمشق وعمّان والرياض وبغداد.
في ظل هذا النمط، يبقى السؤال الفلسطيني الجوهري - من يملك السيادة الفعلية على القرار الأمني والسياسي - مؤجلاً لصالح ترتيبات وظيفية تُبقي غزة تحت الوصاية الدولية والضفة تحت الضم الزاحف، بينما تُعاد صياغة النظام الإقليمي من حولها دون أن تكون طرفاً فاعلاً في تشكيله.