يبدو أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يحاول، من خلال تصريحاته الأخيرة بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق، تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره صاحب القرار الذي يضع الشروط ويرفض التنازل. لكن قراءة المشهد بعيدًا عن التصريحات الإعلامية تكشف فجوة واضحة بين ما يُقال وما يمكن تنفيذه على أرض الواقع.
أعلن نتنياهو رفض الصيغة المطروحة للانتقال إلى المرحلة الثانية، مؤكدًا أن إسرائيل لن تقبل بأي خطوة، بما في ذلك الانسحاب، قبل نزع سلاح المقاومة. وهو خطاب ينسجم مع المزاج الإسرائيلي المتشدد، ويمنح الحكومة مساحة سياسية أمام جمهور يرفض تقديم تنازلات في ملف الحرب.
لكن السؤال الأهم ليس ماذا يقول نتنياهو، وإنما ما الذي يستطيع فعله فعليًا؟
إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تتحرك في فراغ سياسي، وإنما ضمن حسابات وضغوط دولية، وفي مقدمتها الموقف الأمريكي. ولذلك فإن رفع سقف المطالب في التصريحات لا يعني بالضرورة القدرة على فرضها، خصوصًا إذا تعارضت مع المسار الذي تدفع به واشنطن أو مع التفاهمات المرتبطة بالاتفاق.
من هنا يمكن فهم الموقف الإسرائيلي باعتباره جزءًا من معركة تفاوضية تهدف إلى تحسين الشروط، وانتزاع ضمانات إضافية، وإعادة صياغة بعض البنود، أكثر من كونه قرارًا نهائيًا بنسف المسار.
كما لا يمكن فصل تصريحات نتنياهو عن حساباته الداخلية. فهو يدرك أن أي تراجع عن الشعارات التي رفعها خلال الحرب قد يتحول إلى مادة للهجوم عليه من داخل معسكره السياسي. لذلك يحتاج إلى الظهور بمظهر المتشدد الذي لا يقبل الانسحاب قبل تحقيق أهداف الحرب، حتى لو كانت المعادلة السياسية أكثر تعقيدًا.
أما شرط نزع سلاح المقاومة، فهو من أكثر الملفات تعقيدًا؛ لأنه لا يتعلق بقرار إداري، وإنما بجوهر الصراع وميزان القوة وشكل الترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة. وبالتالي فإن إعلانه لا يعني القدرة على فرضه، إذ يحتاج تحويله إلى واقع إلى تفاهمات وضمانات وآليات تنفيذ.
وفي المحصلة، يقف نتنياهو بين ضغط داخلي يدفعه إلى التشدد، وضغط أمريكي ودولي يدفع باتجاه استمرار المسار السياسي. وقد يستطيع المماطلة والتفاوض ورفع سقف المطالب، لكن الفارق كبير بين تحسين شروط الاتفاق وبين القدرة على نسفه.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: ماذا قال نتنياهو؟
بل: ماذا يستطيع نتنياهو أن يفعل فعلًا؟
وهنا تحديدًا تظهر المسافة بين الخطاب والواقع، وبين الشروط التي تُعلن أمام الكاميرات والمسار السياسي الذي قد تُرسم حدوده في مكان آخر.