قائمة الموقع

اتفاقية مكة للدفاع المشترك: من الرد اللحظي إلى إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي

2026-08-10T10:55:00+03:00
فلسطين أون لاين

وقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" في 7 أغسطس 2026، ليكون ذلك الحدث ليس مجرد ترقية بروتوكولية لتفاهمات أمنية قائمة، بل كان إعلانًا عن قطيعة بنيوية مع منطق الحماية الأحادية الذي حكم معمار الأمن الخليجي منذ اتفاقية "كوينسي" عام 1945؛ فحين ينص البند المركزي للاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع، فإننا لسنا أمام تنسيق أمني تقليدي، بل أمام محاولة لبناء بنية ردع ذاتية تحل تدريجيًا محل الضمانة الأمريكية المتذبذبة.

هذا التوقيت ليس عرضيًا؛ فالاتفاق جاء في سياق إقليمي محموم، فحرب أمريكية- "إسرائيلية" على إيران اندلعت في 28 فبراير 2026، وتهديدات حوثية مستمرة ضد السعودية، وتصعيد متجدد بين تركيا و"إسرائيل" حول غزة، لذا فإن القراءة الأدق ليست أن الاتفاقية ردة فعل على حدث بعينه، بل أنها تتويج لمسار تفاوضي استمر قرابة عام كامل، سرّعته التطورات الأخيرة دون أن تكون سببها الوحيد، وهو ما يميز بين الحدث المُحفِّز والبنية التي كانت تتشكل أصلًا.

أولًا: لماذا مكة؟ اقتصاد الرمزية في السياسة الدولية

اختيار مكة المكرمة كموقع للتوقيع، بدل أنقرة أو إسلام آباد، لم يكن قرارًا بروتوكوليًا، بل حسمًا استراتيجيًا لسؤال الشرعية؛ فالعاصمة السياسية تمنح الاتفاق طابعًا ثنائيًا أو تنسبه لدولة بعينها، بينما يمنح المكان الأقدس في العالم الإسلامي الاتفاقَ طابعًا جامعًا يتجاوز حسابات القوة التقليدية إلى حقل الشرعية الدينية الرمزية، ما يوظّف رأس مالٍ رمزيٍ سعوديٍ فريد لا تملكه أنقرة ولا إسلام آباد؛ ليكسب الاتفاق صفة الإجماع بدل المبادرة.

لكن هذا التوظيف الرمزي يحمل حدوده أيضًا؛ فبقدر ما يمنح الاتفاق ثقلًا معنويًا، فإنه يفتح الباب أمام قراءات طائفية للاتفاق (تحالف سني في مواجهة "المحور الشيعي" بقيادة إيران)، وهي قراءة رفضتها الأطراف الثلاثة رسميًا ووصفتها بأنها تبسيط للمشهد، لكنها قراءة يصعب إسكاتها بحكم التركيب الديموغرافي والسياسي للدول الموقّعة نفسها.

ثانيًا: اقتصاديات الردع الثلاثي، تكامل الوظائف لا تراكم القوة:

يكمن جوهر عبقرية هذا التحالف في كونه لا يجمع ثلاث قوى متماثلة، بل ثلاث وظائف استراتيجية متكاملة: القوة النووية الباكستانية وخبرتها في إدارة التصعيد، والصناعة الدفاعية والقدرات العسكرية التركية المتنامية (ثاني أكبر جيش في الناتو)، والثقل المالي والسياسي السعودي وموقعه الجغرافي المحوري.

هذا التوزيع الوظيفي يذكّر بمنطق موازين القوى الكلاسيكي عند "مورغنثاو"، حيث لا يُقاس التحالف بمجموع قدراته العسكرية الخام، بل بقدرته على سد الثغرات البنيوية لكل طرف فيه على حدة.

بيد أن الاختبار الحقيقي لهذا التكامل لم يأتِ بعد؛ فحين تُواجه المملكة هجمات حوثية مستمرة على بنيتها التحتية، يبقى السؤال المعلّق: هل ستذهب تركيا أو باكستان إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الجهات المدعومة من إيران، أم أن الاتفاق سيبقى أداة ردع نفسي أكثر منه التزامًا تنفيذيًا؟ هنا يكمن الفارق الجوهري بين حلف الناتو بمؤسساته العسكرية الموحدة وعقوده السبعة من التراكم التشغيلي، وبين اتفاقية مكة التي لا تزال، من الناحية المؤسسية، في طور التأسيس.

ثالثًا: الدرس التاريخي — من خط بغداد إلى خط الحجاز الحديث:

لفهم أعمق لما يجري، تستحق المقارنة التاريخية مع سكة حديد "برلين-بغداد" (Baghdad Bahn) استحضارًا جديًا، فحين بدأت الإمبراطورية الألمانية نفوذها في الدولة العثمانية اقتصاديًا عبر امتياز سكة حديد الأناضول عام 1888، ثم تمديدها نحو بغداد فالخليج عام 1903، كان الخطاب الرسمي "تجاريًا-لوجستيًا" بحتًا: ربط أسواق، تسهيل نقل، تقليل اعتماد على المسارات البريطانية عبر قناة السويس، لكن بريطانيا وفرنسا وروسيا قرأت المشروع منذ يومه الأول كأداة نفوذ استراتيجي مقنّعة، لأن من يملك خط اللوجستيات يملك مفتاح التعبئة العسكرية وقت الحرب.

اليوم، يعيد مشروع خط الحجاز الحديث الرابط بين تركيا والسعودية عبر الأردن وسوريا، والذي تسارعت خطواته بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز، حيث إنتاج المنطق نفسه بحذافيره؛ فبنية تحتية مدنية الطابع، ثنائية الاستخدام بحكم طبيعتها، تقلل الاعتماد على ممر بحري خاضع لطرف خصم، والفارق أن مضيق هرمز اليوم يلعب دور قناة السويس بالأمس: ورقة ضغط جيوسياسية تحوّلت، عبر خمسة أشهر من الحرب الأمريكية-الإيرانية، من ممر تجاري إلى ملف تفاوضي مركزي في الصراع، ما يفسر التسارع المفاجئ في مشاريع الربط البري البديلة.

هذا التوازي التاريخي لا يعني حتمية التكرار الحرفي؛ فالدرس المنهجي من 1914 ليس أن "التحالفات تصنع الحرب"، بل أن أنظمة الالتزامات المتشابكة ترفع كلفة أي احتكاك محلي وتحوّله إلى احتمال إقليمي أوسع، وهذا بالضبط ما يحذر منه بعض المحللين العسكريين اليوم: أن اتفاقية مكة، برفعها كلفة الحروب بالوكالة، قد تجعل الفصل السياسي بين الدولة ووكلائها الإقليميين أكثر صعوبة مستقبلًا.

رابعًا: القراءات المتعارضة — طهران، تل أبيب، واشنطن

الاستجابات الدولية للاتفاق تكشف عن تباين حاد في القراءة الاستراتيجية؛ فبينما اختارت طهران خطاب التهوين على لسان مسؤولين إيرانيين وصفوا الاتفاق بأنه "حبر على ورق" لن يوفر أمنًا حقيقيًا للرياض، وهو خطاب متوقع من طرف يجد نفسه المستهدف الضمني لبند الردع الجماعي، دون أن يمتلك أدوات مواجهة مباشرة لتحالف بهذا الحجم.

أما "إسرائيل" فتنقسم قراءاتها الداخلية: تيار يرى في الاتفاق تشكّل "كتلة سنية" منافسة، وتيار آخر — أكثر واقعية في تقديري — يرى أن الدافع السعودي الأساسي هو الهاجس الأمني الذاتي لا العداء لـ"إسرائيل"، وأن الاتفاق لا يشكل بالضرورة عائقًا أمام مسارات التطبيع المستقبلية.

الموقف الأمريكي، رغم غياب تصريح رسمي حاسم، يُقرأ من قبل محللين عرب كترجمة عملية لاستراتيجية "توزيع الأعباء" الأمريكية الجديدة: تحالف إقليمي يحقق ردعًا منخفض الكلفة لواشنطن، يتيح لها إعادة توجيه اهتمامها نحو المحيطين الهندي والهادئ دون التخلي عن استقرار الخليج. هذه القراءة، وإن كانت استنتاجية غير موثقة رسميًا، تتسق مع منطق الواقعية الهجومية عند "ميرشايمر": القوة العظمى المتراجعة لا تنسحب فراغًا، بل تفوّض الردع الإقليمي لحلفاء إقليميين قادرين على تحمّل كلفته.

الخلاصة: بين الردع المعلن وحتمية الاختبار

اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست "ناتو إسلاميًا" بالمعنى المؤسسي الكامل؛ فهي تفتقر إلى القيادة العسكرية الموحدة والهياكل الدائمة للتخطيط والعمليات التي راكمها الحلف الأطلسي عبر سبعة عقود، لكنها أيضًا ليست مجرد بيان نوايا عابر، بل يمكن اعتبارها بمثابة لحظة تأسيسية تعيد صياغة معادلة الردع الإقليمي على أساس التكامل الوظيفي بدل الاصطفاف الأيديولوجي، في سياق عالمي يعيد فيه القطب الأمريكي توزيع أعبائه الأمنية بفوضى محسوبة.

والاختبار الحاسم لن يأتي من الخطاب، بل من اللحظة التي يُطلب فيها من أحد الأطراف دفع ثمن فعلي — عسكري أو سياسي — دفاعًا عن شريك في التحالف، عندها فقط سيتضح ما إذا كانت مكة بداية نظام أمني إقليمي جديد، أم صيغة ردع نفسي تُختبر مرة واحدة قبل أن تتكشف حدودها الحقيقية.

اخبار ذات صلة