المكان مكة المكرمة، وللمكان المقدس لدى المسلمين تأثير في زمان عقد التحالف بين تركيا والسعودية وباكستان، المحكوم بالمتغيرات الإستراتيجية التي ضربت المنطقة منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى.
الحلف الإسلامي الجديد لا يحمل العداوة أو التهديد لدولة بعينها، ولا يشكل وجود هذا الحلف الجديد تهديداً وجودياً إلا لدولة العدو الصهيوني، التي ظن قادتها في لحظة من نشوة الدعم الأمريكي لعدوانهم على أهل غزة أنهم قادرون على كل شيء، وأن لهم القوة والنفوذ للسيطرة على الشرق، حتى بلغ العلو ببعض قياداتهم أن ينشر صورا لإسرائيل الكبرى، وقد ضمت كل لبنان وسوريا والأردن والكويت، وبعض العراق والسعودية. ولعل هذا المشروع الصهيوني هو الأخطر على المنطقة العربية والإسلامية، وهو المحفز لعقد التحالف الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان.
لقد أشار نتنياهو إلى هذا الحلف قبل مدة من الزمن، عندما أكد أن هناك حلفاً سنياً متطرفاً يتشكل في المنطقة، وهو أخطر على "إسرائيل" من إيران، وعلى الرغم من انحباس التعليق الإسرائيلي حتى اللحظة عن تركيبة الحلف الجديد وأهدافه، فإن المتضرر الأكبر من أي لقاء عربي إسلامي هو العدو الإسرائيلي، وتكفي الإشارة هنا إلى سقوط فكرة التطبيع بين السعودية ودولة العدو، على الرغم من الجهد الأمريكي المبذول في هذا الشأن.
يتعرض الحلف الجديد للشك من طرف بعض العرب والمسلمين، إذ يزعم البعض أن حلف مكة قد جاء لخدمة المصالح الأمريكية، وأنه متغير جاء بعد الفشل الأمريكي في هزيمة إيران، فاستعانت أمريكا بحلفائها لإكمال المهمة التي فشلت بها قواتها العسكرية وقواعدها.
وأزعم أن تركيا التي تتعرض للهجوم المتواصل من العدو الإسرائيلي، المتهمة كعدو مستقبلي لدولة العدو، وباكستان والسعودية اللتين لا تقيمان علاقات مع العدو، هما الأبعد بمصالحهما عن خدمة المشروع الأمريكي القائم على خدمة الصهاينة، فإذا أضيف إلى ذلك اكتشاف السعودية ودول الخليج أن أمريكا التي باعت وهم القوة والقدرة والنفوذ إلى بلاد العرب، قد انفضح عجزها عن حماية قواعدها في دول الخليج العربي، وهذا مؤشر ومحفز للبحث عن حلفاء جدد، حلفاء من المنطقة، هم البديل عن حليف انكشف ضعفه، واتضح دعمه ومساندته لحرب الإبادة الجماعية ضد أهل غزة.
حلف مكة جاء في مرحلة فيها العرب أحوج ما يكونون إلى جامع لشتاتهم، وناظم لتطلعاتهم إلى الوحدة، لذلك جاء حلف مكة كرد تاريخي على حلف الشريف حسين، شريف مكة، الذي تحالف مع الاستعمار البريطاني 1916 ضد الخلافة العثمانية، حلف مكة جاء لرد الاعتبار لتركيا، ولعل إعادة ترميم خط الحجاز تركيا أحد معالم شطب مرحلة بائسة من تاريخ الأمة.