أي اتفاق أو تكتل بين القوى الإسلامية يفتح أفق الأمل في أن تتحد الأمة العربية والإسلامية، وتفرض نفسها كقوة إقليمية لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاهلها، هذا الأمل يتجدد كلما ظهرت مبادرات جماعية من دول المنطقة، لكن هل يتحقق هذا الأمل؟
جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية في ظروف إقليمية ملتهبة، وفي وقت يقدر فيه كثير من الخبراء الاستراتيجيين أن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد بدأ بالأفول أو على الأقل بالتراجع النسبي.
وُقّع الاتفاق في السابع من أغسطس 2026 في قصر الصفا بمكة المكرمة، بحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع، ويهدف إلى تعزيز الردع الجماعي وتطوير التعاون الدفاعي في مختلف المجالات، بما في ذلك الصناعات العسكرية والتدريب والتنسيق العملياتي، ويبني على الاتفاق الثنائي السعودي-الباكستاني الموقع في سبتمبر 2025، ويوسع مظلته لتشمل تركيا.
غير أن الاتفاق ما زال في بدايته، ويشوبه كثير من الغموض والأسئلة واختلاف وجهات النظر، وهنا لا بد من الإشارة إلى النقاط الآتية:
* الاتفاق لم يأتِ بطريقة تتحدى أو تواجه الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر، فالدول الثلاث تربطها علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والقواعد العسكرية الأمريكية لا تزال موجودة في السعودية، والعلاقات الدفاعية والاقتصادية بين واشنطن وكل من الرياض وإسلام آباد وأنقرة عميقة ومتشعبة.
* الدول الثلاث لديها تحديات أمنية كبيرة فباكستان لديها الصراع التاريخي مع الهند، والصراع على الحدود مع افغانستان، تركيا لديها مشكلة الأكراد في سوريا والتدخل الإسرائيلي فيها بالإضافة للتوتر مع روسيا في البحر الاسود، السعودية لديها جبهة اليمن.
* إن مجرد قبول الولايات المتحدة بتشكيل تكتلات إقليمية بهذا الحجم، أو على الأقل عدم اعتراضها العلني القوي، هو تعبير عن تغير كبير في موازين القوى لا تستطيع واشنطن إنكاره، فبعد الحرب على إيران وعدم قدرة أمريكا فتح مضيق هرمز الذي يعتبر شريان مهم لإمدادات الطاقة العالمية، لم تعد تستطيع أن تقنع دول المنطقة ان لديها القدرة على توفير الأمن الاقليمي المطلق.
* إن أطماع إسرائيل في الهيمنة على الشرق الأوسط تجعلها تشعر بأن مثل هذا التحالف يضر بمصالحها، خاصة إذا تطور نحو تنسيق أوسع أو انضمام دول أخرى، ويبدو أن الولايات المتحدة باتت مقتنعة، أو على الأقل تدرك، أنه لا يمكن الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة واستقرارها بالاعتماد على "إسرائيل" وحدها.
تبقى الشهور والسنوات القادمة، والتطورات الإقليمية والدولية، هي التي ستؤثر بشكل كبير في شكل الاتفاق ودوره، وحتى في قدرته على الاستمرار والتوسع.
نجاح الاتفاق يعتمد على ترجمة البنود إلى آليات عملية ملموسة: تدريبات مشتركة، مشاريع صناعات دفاعية، تنسيق استخباراتي، واستعداد حقيقي للرد الجماعي عند الحاجة.
وهنا يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات:
الأول: أن يشكل الاتفاق نواة لتحالف إقليمي حقيقي: وهذا يعني انضمام دول كبيرة أخرى مثل مصر، وغيرها من الدول، ولا يمكن تجاوز إيران بصفتها دولة مؤثرة ومكونا أساسيا في المنطقة، وهذا يتطلب إرادة حقيقية من دول المنطقة، وتجاوزا للمصالح الضيقة، وتكاملا حقيقيا بين دول المنطقة، بالاستناد إلى أن إسرائيل هي العدو الحقيقي المشترك.
ثانيا: أن يتحول الاتفاق إلا تحالف يخدم المصالح الأمريكية: ويعزز لغة الطائفية باعتباره تحالفا سنيا ضد "المحور الشيعي"، وباعتقادي أن إسرائيل وأمريكا ستفعلان كل ما هو ممكن لدفع الدول الثلاث لهذا المربع، خاصة في وجود التوتر الاقليمي بين السعودية وإيران والحوثيين في اليمن، لكن وجود باكستان وتركيا اللتين لديهما علاقات متوازنة مع إيران، يضعف هذا السيناريو أيضا السعودية ليس لديها تاريخ من الصدام المباشر مع إيران بل دخلت في عام ٢٠٢٣ مسارا لتحسين العلاقات مع إيران، وهنا تجدر الإشارة إلى اتصال وزير الخارجية الباكستاني بنظيره الإيراني للتأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران.
السيناريو الثالث: هو عدم قدرة الاتفاق على أن يترجم إلا تحالفا حقيقيا، ويبقى مجرد اتفاق يشكل تفاهمات عامة بين للدول الثلاث دون القدرة على ترجمته لأدوات تخدم الدول الثلاث والمنطقة. إن إسرائيل ستفعل كل ما يمكن فعله لإفشال هذا التحالف بأدواتها الخبيثة، في حال عدم تحقق السيناريو الثاني، وستعمل على زرع الفتن وإثارة المشاكل لإفشال هذا التحالف.
ما زال من المبكر الجزم بترجيح اي من السيناريوهات السابقة، ولكن من مصلحة دول المنطقة جميعا التعاون لتشكيل تحالف إقليمي حقيقي، يحقق مصالح الجميع، لكن يبقى السؤال: هل لدى دول المنطقة القدرة على التخلي عن المصالح الضيقة والتحلي بالإرادة لتشكيل هذا التحالف.

