قائمة الموقع

محمد اليازوري يجسد الفقد والنزوح بأعماله الفنية

2026-08-16T14:30:00+03:00
محمد اليازوري يجسد الفقد والنزوح بأعماله الفنية
فلسطين أون لاين

من بيتٍ كان يحتضن تفاصيل حياته اليومية، إلى خيمةٍ من قماش لا تقيه قسوة الحرب، يقطع الفنان التشكيلي محمد اليازوري رحلة النزوح لا بخطواته فحسب، بل بذاكرته وفنه.

في مواصي خان يونس، حيث يعيش وسط آلاف النازحين، يستعيد اليازوري بيته الذي فقده ويعيد بناء تفاصيله في مجسم فني، إلى جانب خيمة تختصر واقعه الجديد؛ ليحوّل المسافة بين المكانين إلى عمل بصري يروي حكاية الفقد والاقتلاع وتبدّل الحياة في غزة.

لم يكن مشروع تخرجه في جامعة الأقصى مجرد عمل فني يختتم به سنوات دراسته، بل محاولة للاحتفاظ بصورة الحياة التي سبقت الحرب، وتوثيق واقع فرضته ظروف النزوح.

وبقطع من الخشب والقماش والكرتون، وبأدوات محدودة فرضتها الحرب، صنع اليازوري عالمًا مصغرًا يقابل فيه بين بيتٍ كان يعني الأمان والاستقرار، وخيمةٍ أصبحت عنوانًا للحرمان والمعاناة.


 

يقول اليازوري لصحيفة "فلسطين": “استوحيت الفكرة من معاناة الخيام، أنا يومياً بشاهد منظر المخيم، فاستوحيت الفكرة منه، فحبيت أعمل الفارق بين الحياة قبل الحرب وحياة الحرب، رفاهية البيوت ومعاناة الخيام”.

في عمله، الذي حمل عنوان “برزخ فوق الأرض”، وتحت عنوان فرعي “المكان واللا مكان”، لا يقف اليازوري أمام تجربته الشخصية وحدها، بل يحاول اختصار حكاية آلاف الفلسطينيين الذين شردهم الاحتلال من منازلهم، وأجبرهم على الانتقال إلى أماكن لم يختاروها مأوى لهم.

أعاد الفنان بناء نموذج مصغر لبيته قبل الحرب باستخدام الخشب والقماش والكرتون، إلى جانب مجسم للخيمة التي يعيش فيها اليوم مع عائلته، وبين النموذجين تتجسد مسافة لا تقاس بالأمتار، بل بما فقده الإنسان من أمان وخصوصية وراحة وذكريات.

يقول: “ما فيش مقارنة، يعني حياة قبل الحرب رفاهية، شباك، باب، خزانة… أنت بتحكي بشغلات هلقيت مش موجودة، الخيمة عبارة عن قماش أو شادر ما بتحمي من إشي، وما بتديك أي سبل للراحة، هي عبارة عن معاناة كبيرة”.

ومن تفاصيل البيت التي كانت تبدو في الماضي عادية، إلى تفاصيل الخيمة التي أصبحت اليوم جزءًا من حياته، يحاول اليازوري أن يمنح الأشياء الصغيرة معناها داخل العمل الفني، فالنافذة والباب والخزانة تمثل حياة مستقرة، بينما تختصر الخيمة هشاشة الواقع الجديد.

الحرب لم تغيّر موضوع أعماله فحسب، بل غيّرت أيضًا أدواته وطريقة إنتاجه، فالفنان الذي كان يعتمد على الألوان والفرش والأدوات الفنية، بات يبحث عن مواد بديلة يمكن استخدامها في الرسم والنحت وصناعة المجسمات.

يقول اليازوري: “مشروع التخرج استخدمت فيه أدوات بسيطة ومناشير عشان أقطع الخشب، الخشب كان في له أدوات وإمكانيات، اللوحة كان في لها ألوان وإمكانيات، بس اليوم الإمكانيات بسيطة جداً، وصعب إنه الواحد يطلع فيها بمخرج حقيقي ورسمي زي قبل الحرب”.

حتى اللوحة التي أنجزها ضمن مشروعه لم يجد لها سطحًا فنيًا تقليديًا، فاستعان بباب خشبي أخذه من منزله المدمر بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية، وحوّله إلى مساحة للرسم، أما الخشب المستخدم في المجسمات، فجرى تشكيله بأدوات بسيطة، في محاولة لإنتاج عمل فني رغم غياب كثير من المواد الأساسية.


 

ولم يعد الفن في غزة، بالنسبة إلى اليازوري، محصورًا في صالات العرض أو الجدران المصممة لهذا الغرض، فقد دفعت ظروف الحرب الفنانين إلى البحث عن مساحات بديلة، فصاروا يرسمون على الشوادر والخيام والأبواب الخشبية، وعلى جدران المنازل المدمرة وبين الركام.

يقول: “ظروف الحرب خلتنا نلجأ للأمور هذه، نصير نرسم على الشوادر وعلى البيوت المدمرة، بدلاً ما نرسم على حيطان البيوت وفي المطاعم الرسمية، إحنا هلقيت رسماتنا على شوادر وعلى خيام، على جدران مكسرة وردم بيوت”.

وفي لوحة “برزخ فوق الأرض”، يحاول اليازوري التقاط تفاصيل أكثر قسوة من مجرد صورة الخيمة، تظهر امرأة داخلها تتناول الصبار، في إشارة إلى شح الطعام وقسوة الحياة، بينما تنتشر على الأرض أوراق صحف تحمل أخبار المفاوضات التي تتبدل يومًا بعد آخر.

كما يحضر في العمل نقص المياه، وصوت الطائرات المسيّرة، والدمار، والغسيل المعلق، والظلام داخل الخيمة؛ تفاصيل يومية أصبحت جزءًا من حياة النازحين.

يقول: “هذه المعاناة كلها حبيت أوضحها وأوصل الرسالة فيها”.

ولا يخفي اليازوري أن إنجاز مشروعه في الحرب كان تحديًا بحد ذاته، ليس فقط بسبب نقص المواد، وإنما بسبب القيود التي فرضتها الظروف على الفنان الفلسطيني، ويقول إن غزة تفتقد اليوم الكثير من أبسط الأدوات التي يحتاجها أي فنان لإنجاز عمله.

“اليوم عندنا ما فيش إمكانيات، ما فيش أدوات، ما فيش ألوان، ما فيش فرش، ما فيش أدوات نحت”، يقول اليازوري، موضحًا أن ما كان متاحًا وبسيطًا قبل الحرب أصبح اليوم مفقودًا.

وبدعم من أسرته وزوجته، استطاع إكمال مشروعه والتخرج، محولًا سنوات دراسته في الفن إلى تجربة بصرية تختصر حياته الجديدة.

ولا يريد اليازوري من عمله أن يكون مجرد مشروع تخرج ينتهي بانتهاء الدراسة؛ فهو يرى فيه رسالة عن واقع الفنان والإنسان في غزة، وعن حياة أصبحت فيها أبسط الاحتياجات حلمًا.


 

يقول: “من خلال موهبتي ودراستي للفن حبيت أوصل رسالة إنه إحنا في غزة هان في إمكانيات كتير معدومة، مقيدين كتير، ما فيش أدنى سبل للراحة، ما فيش حرية”.

في نهاية المشروع، تبدو الخيمة أكثر من مجسم صغير، ويبدو البيت أكثر من نموذج خشبي، كلاهما يتحول إلى ذاكرة مصغرة لغزة؛ بيتٌ حاضر في الذاكرة وغائب عن الواقع، وخيمةٌ حاضرة في الواقع لا تشبه البيت.

وبين “المكان واللا مكان”، يواصل محمد اليازوري استخدام ما تبقى لديه من أدوات ليحفظ ما يمكن حفظه من ذاكرة، يحوّل الخشب إلى بيت، والقماش إلى خيمة، والفقد إلى لوحة، والنزوح إلى شهادة فنية على حياة تبدلت ملامحها، لكنها لم تفقد قدرتها على أن تُروى.

اخبار ذات صلة