في بيتٍ أنهكته الحرب، لا تبحث الذكريات عن المناسبات كي تعود؛ يكفي أن يحتاج طفل إلى قطعة ملابس، أو أن يحين وقت إعداد الطعام، أو أن يُفتح تسجيل قديم، حتى تستعيد الأسرة حضور فاتنة السحار، مديرة الشرطة النسائية في محافظة غزة، التي غابت جسدًا إثر جريمة اغتيال إسرائيلية، وبقيت تفاصيل حياتها حاضرة بين أبنائها وزوجها الذين عايشوا معها وطأة الحرب والجوع والنزوح.
يستعيد زوجها إسماعيل السحار سيرة امرأة لم تكن بالنسبة له زوجة فحسب، بل رفيقة رحلة شاقة واجهت خلالها ظروفًا استثنائية، ويقول لصحيفة "فلسطين": "فاتنة (أم عزيز) لا تُنسى بالمطلق، فهي امرأة غير عادية في تحدياتها ومقاومتها وصمودها".
عاشت فاتنة، بحسب زوجها، المجاعة وويلات الحرب والنزوح المتكرر لنحو عام ونصف العام، متنقلة مع أبنائها بين أماكن مختلفة في الجنوب، في حين كان هو في غزة. وكانت مسؤولية تأمين الطعام في تلك الظروف واحدة من أكثر المهمات قسوة، خصوصًا خلال الفترة التي اعتاد فيها زوجها عبد العزيز على التوجه إلى منطقة "زكيم"، في أقصى الشمال الغربي من قطاع غزة، لانتظار شاحنات المساعدات الإغاثية.
يضيف إسماعيل، ما كان يتوفر لنا من طعام، نلجأ إلى توزيع نصفه على الأقل على المحتاجين.
ويستعيدها إسماعيل بألم: "تلك الأيام لا تُنسى، أتذكر جيدًا مشاهد إطلاق النار الكثيف على المدنيين، والشهداء الذين كانوا يرتقون من حولنا".
ورغم قسوة الواقع، كانت فاتنة تحاول صناعة لحظات تخفف عن أسرتها وطأة الحرب. يستذكر زوجها مشاجرات الأبناء وضحكاتهم، والخروج أحيانًا إلى أماكن تتوافر فيها بعض المأكولات والمشروبات والمثلجات، في محاولة لاستعادة شيء من الحياة التي غيّرتها الحرب.
ويقول: "كنا نحاول أن نكسر على أنفسنا قليلًا، نضحك ونمزح ونخرج، وكأننا مثل باقي الناس".
ويحفظ أفراد الأسرة هذه التفاصيل في صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية داخل مجموعة خاصة بهم، ليعودوا إليها بين الحين والآخر.
أم تحمل تفاصيل البيت
لم تكن فاتنة حاضرة في حياة أبنائها بوصفها أمًا فقط، بل كانت تتولى تفاصيل كثيرة تخصهم، من الملابس والقرطاسية إلى متابعة الصلاة وحفظ القرآن.
ويقول زوجها: "كانت توصي دائمًا بشراء الملابس وتجهيز القرطاسية للأولاد عند دخول العام الدراسي الجديد، وتوصي بالصلاة في وقتها وحفظ القرآن".
وبوفاتها، وجد أرملُها إسماعيل نفسه أمام مسؤوليات كانت تتقاسمها معه زوجته، فأصبح المسؤول الوحيد عن أبنائه؛ عبد العزيز، (16 عامًا)، ورغد (14 عامًا)، ومسك (9 أعوام)، وسوار (7 أعوام).
ويقول: "أنا اليوم الوحيد لأبنائي في بيتنا. والحمد لله لدينا بيتًا من الباطون، وإن كان مكسّرًا ومدمرًا، لكننا أفضل من بعض الناس الذين يعيشون في الخيام، وكان الله في عونهم".
ويتولى اليوم إعداد الطعام وتعبئة المياه ومتابعة وصول مياه البلدية أو الغاطس، إلى جانب شراء الملابس والحاجيات التي كانت زوجته تتولى جزءًا منها.
امرأة في الميدان
إلى جانب دورها الأسري، كانت فاتنة السحار ضابطة في الشرطة النسائية، وتدرجت في المسؤولية حتى وصلت إلى إدارة الشرطة النسائية في محافظة غزة. درست علم النفس، وارتبط عملها بالتعامل مع قضايا اجتماعية وإنسانية حساسة.
ومن المواقف التي تبرز جانبها الإنساني، تعاملها مع حالة طفلة في الرابعة عشرة احتاجت إلى مكان آمن خلال ساعات الليل. أجرت فاتنة اتصالات مكثفة بالتنسيق زملائها في جهاز الشرطة، بحثًا عن جهة حقوقية أو إنسانية أو إرشادية تستقبل الطفلة، إلى أن وفرت الشرطة النسائية مكانًا آمنًا ومؤقتًا لها.
كما عُرفت بالحرص على خصوصية العائلات وعدم ذكر الأسماء أو التفاصيل التي يمكن أن تسيء إلى أصحابها.
عاشت فاتنة تجربة نزوح قاسية، تنقلت خلالها مع أسرتها بين أكثر من عشرين محطة بحثًا عن الأمان، قبل أن تعود إلى شمال غزة.
وفي التاسع عشر من أغسطس/ آب 2026، استشهدت فاتنة مع مجموعة من كبار ضباط جهاز الشرطة قصفهم الاحتلال وهم في اجتماع في مقر يتبع للشرطة بجوار متنزه بلدية غزة، وسط المدينة.