لم يعد سوء التغذية لدى أطفال قطاع غزة يقتصر على الهزال ونقص الوزن، إذ بدأت مؤشرات اضطرابات النمو، ومنها قصر القامة، تظهر بصورة متزايدة في العيادات الطبية، وسط نقص في الغذاء والمكملات والأدوية اللازمة لمتابعة الأطفال وعلاجهم.
وتقول د. إسراء النجار، رئيسة قسم التغذية العلاجية في مجمع ناصر الطبي، إن قسمها بدأ في توثيق حالات قصر القامة منذ نحو أربعة أشهر، بعدما لاحظ ازدياد أعداد الأطفال الذين يعانون اضطرابات في النمو، مشيرة إلى تسجيل نحو 20 حالة شهريًا في العيادة الواحدة، في حين وصلت الحالات في بعض الأيام إلى 6 أو 7 حالات، وسُجل في أحد الأيام 11 طفلًا يعانون قصر القامة المرتبط بسوء التغذية.
وتحذر النجار في مقابلة مع صحيفة "فلسطين" أمس، من أن استمرار سوء التغذية المزمن خلال سنوات الطفولة، دون تدخل مبكر، قد يؤدي إلى آثار يصعب تصحيحها لاحقًا، خصوصًا قبل مرحلة البلوغ وإغلاق صفائح النمو في العظام.
ما قصر القامة؟
توضح النجار أن قصر القامة يُحدد طبيًا من خلال قياس طول الطفل ومقارنته بالمنحنيات والمعايير العالمية للنمو، باستخدام الانحرافات المعيارية (SD).
ويُصنف القصر وفق درجة الانحراف عن المعدلات الطبيعية، إذ يشير الانحراف بين سالب اثنين وسالب ثلاثة إلى قصر قامة متوسط، في حين يُعد الانحراف الأقل من سالب ثلاثة قصر قامة شديدًا.
وتلفت إلى أن قصر القامة قد يكون وراثيًا، فإذا كان الأب أو الأم قصيري القامة فقد يكون ذلك عاملًا طبيعيًا في طول الطفل، لكنه قد يكون أيضًا مرتبطًا باضطراب غذائي أو مشكلة صحية أخرى.
وتقول إن تأثير سوء التغذية ظهر بصورة أوضح خلال فترة المجاعة التي نفذها حكومة الاحتلال في القطاع خلال حرب الإبادة، نتيجة نقص الغذاء والبروتين الذي يحتاج إليه الأطفال في مراحل النمو، ما انعكس سلبًا على صحتهم ومن بينها مؤشرات النمو والطول.
التغذية أم المرض؟
عند وصول طفل يعاني ضعف النمو إلى العيادة، تبدأ عملية التقييم بأخذ تاريخه المرضي، ومعرفة ما إذا كان يعاني أمراضًا مزمنة أو اضطرابات يمكن أن تؤثر في نموه، إلى جانب قياس طول ووزن الطفل ومحيط ذراعه.
كما تُؤخذ قياسات الوالدين في الاعتبار لمعرفة ما إذا كان قصر القامة مرتبطًا بعامل وراثي. وبعد مقارنة القياسات بالمنحنيات العالمية، يمكن تحديد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى تدخل تغذوي.
وفي الحالات المرتبطة بسوء التغذية، تتضمن الخطة العلاجية مكملات غذائية ووجبات مكثفة بالبروتين والكربوهيدرات المعقدة، في حين تُحال الحالات التي لا تستجيب للتدخل الغذائي أو يُشتبه في ارتباطها بأسباب أخرى إلى أطباء الأطفال أو اختصاصيي الغدد الصماء.
وتشير النجار إلى أن بعض حالات ضعف النمو قد ترتبط باضطرابات هرمونية أو مشكلات في الغدة الدرقية أو أمراض مزمنة ومتلازمات معينة، ما يجعل التشخيص الدقيق ضروريًا قبل تحديد العلاج.
الأم تلاحظ التغير أولًا
وترى النجار أن الأم غالبًا ما تكون أول من يلاحظ وجود مشكلة في نمو طفلها، خصوصًا عندما تكتشف أنه أقصر بشكل ملحوظ من أقرانه.
وتقول: عندما تتوجه الأم إلى المختص، تُقيّم حالة الطفل، فإذا كانت ضمن المعدلات الطبيعية تُطمأن، أما إذا ظهر خلل في النمو فيبدأ التدخل وفق البروتوكول المناسب.
وتشدد على أن عامل الوقت مهم للغاية، لأن التدخل المبكر يزيد فرص الاستجابة للعلاج، بينما قد يصبح قصر القامة دائمًا إذا استمر سوء التغذية دون تصحيح حتى بلوغ الطفل مرحلة إغلاق صفائح النمو.
الحمل أيضًا في دائرة الخطر
ولا تقتصر آثار الأزمة الغذائية على الأطفال بعد الولادة، بحسب النجار، إذ لاحظ الأطباء تأثير سوء تغذية الأمهات خلال الحمل على المواليد.
وتوضح أن الأمهات اللواتي كن حوامل خلال فترة المجاعة أنجبن أطفالًا بأوزان أقل من الطبيعي، إلى جانب ظهور مشكلات مرتبطة بالنمو.
لكنها تشير إلى إمكانية تحسين بعض هذه الحالات من خلال المتابعة الطبية والتغذوية، وتوفير الحليب الغذائي والمكملات المرتبطة بالطول والتغذية، لافتة إلى أن حالات عدة شهدت تحسنًا وعادت مؤشرات النمو فيها إلى مستويات طبيعية.
وبحسب النجار، تختلف آثار سوء التغذية باختلاف عمر الطفل، ويُعد الأطفال الأصغر سنًا الأكثر عرضة للخطر؛ لأن هذه المرحلة ترتبط بنمو العظام وتطور الدماغ.
وتوضح أن نقص المغذيات الأساسية بفعل الحصار الاسرائيلي، ومنها أحماض أوميغا 3 وغيرها من العناصر الغذائية، يمكن أن يؤثر في النمو والتطور، وأن تفويت مراحل النمو المبكر دون تدخل قد يجعل تصحيح بعض الآثار أكثر صعوبة في المستقبل.
ولا يقتصر المشهد على قصر القامة، إذ تقول النجار إن العيادات ترصد أيضًا انتشارًا واسعًا للهزال، إلى جانب فقر الدم ونقص المكملات الغذائية، فضلًا عن ملاحظة زيادة في وتيرة بعض الأمراض المناعية والوراثية.
وتضيف أن تعويض الأطفال بالمكملات الغذائية عند الحاجة يؤدي في بعض الحالات إلى تحسن واضح وعودة المؤشرات إلى المعدلات الطبيعية.
نقص العلاج يفاقم المشكلة
لكن جهود العلاج تواجه تحديًا آخر يتمثل في نقص الأدوية والمكملات اللازمة بفعل الحصار الإسرائيلي المستمر.
وتقول النجار إن توافر هذه المستلزمات "متذبذب"، إذ تتوافر أحيانًا وتغيب في أوقات أخرى، الأمر الذي يتطلب تدفق كميات أكبر من الأدوية والمستلزمات لتغطية الاحتياجات المتزايدة للأطفال.
كما تواجه الأسر مشكلة أخرى تتمثل في القدرة على شراء الأغذية اللازمة والمكملات، إذ لا تملك غالبية العائلات دخلًا كافيًا لتوفير الاحتياجات الغذائية أو شراء المكملات الموصوفة لأطفالها، في حين تعاني عائلات أخرى أصلًا صعوبة في توفير الغذاء الأساسي اليومي أو الوصول إلى المستشفيات للمتابعة.
وتحذر النجار من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى ظهور جيل كامل يعاني مؤشرات نمو أقل من المعدلات الطبيعية، وما قد يرافق ذلك من تداعيات صحية ونفسية وهرمونية.
وتؤكد أن مواجهة المشكلة تبدأ بتوفير الغذاء المتوازن والمكملات اللازمة والتشخيص المبكر، إلى جانب متابعة الأطفال الذين تظهر لديهم مؤشرات تأخر في النمو.
وتدعو المؤسسات الدولية والجهات الطبية والتغذوية إلى توفير المكملات الغذائية وتعزيز برامج التوعية الأسرية، مع التركيز على توفير الغذاء المتكامل الذي يجمع البروتين والدهون الصحية والكربوهيدرات، بما يساعد على حماية نمو الأطفال.