قائمة الموقع

انتشلها من تحت الركام.. نوح يعود إلى سلام التي حماها حضن خالها الشهيد

2026-08-13T12:22:00+03:00
انتشلها من تحت الركام.. نوح يعود إلى سلام التي حماها حضن خالها الشهيد
فلسطين أون لاين

كانت صغيرة إلى حد أن كفَّ خالها الشهيد بدت لها سريرًا، وذراعه الأخيرة سقفًا يحتمي به جسدها الهزيل من آلاف أطنان الركام. لم تكن سلام فورة، قد أكملت يومها العشرين في الحياة عندما دمر قصف إسرائيلي منزل عائلتها فوق رؤوس ساكنيه في الأيام الأولى لاندلاع حرب الإبادة، وبقيت تحته تتنفس بصعوبة.

ست ساعات كاملة فصلت بين لحظة استهداف المنزل الواقع في حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة، ولحظة وصول صوتها الخافت إلى رجل الإنقاذ في الدفاع المدني نوح الشغنوبي وزملائه، الذين ظلوا يحفرون حتى انتشلوها حيّة من حضن خالها الذي استشهد وهو يحاول حمايتها بجسده حتى آخر أنفاسه.

وبعد أكثر من عامين على نجاتها من المجزرة الإسرائيلية، عاد نوح إلى المكان الذي لا تزال تفاصيله محفورة في ذاكرته، لكن هذه المرة لم يكن يحمل أدوات الإنقاذ، بل كان يحمل صورة رضيعة خرجت من تحت الأنقاض لتقف أمامه طفلة صغيرة تبتسم. كانت سلام التي حملها بين يديه في أكثر لحظات الحرب قسوة، تقف أمامه شاهدة على حكاية نجاة بدأت وسط الموت.

الفيديو الذي نشره الشغنوبي عبر حسابه على منصة "إنستغرام"، ووثق لقاءه بسلام بعد سنوات من انقطاع أخبارها، أعاد إلى الواجهة قصة الإنقاذ التي هزت المتابعين في الأيام الأولى للحرب، حين تحولت صورة الرضيعة الناجية إلى واحدة من أكثر المشاهد تداولاً.

صوت تحت الركام

يستعيد الشغنوبي تلك الساعات قائلاً: إن فرق الدفاع المدني كانت تعمل في حي الزيتون وسط دمار واسع، بعدما تحولت المنازل إلى أكوام من الخرسانة، في حين  كان البحث عن ناجين مستمرًا بين الركام.

ويقول: "كانت الطوابق قد انهار بعضها فوق بعض. بدأنا بإزالة السقف، فأخرجنا خمسة أشخاص أحياء، ثم أخرجنا ثلاثة أطفال، وبعدها وجدنا عائلة كاملة داخل غرفة النوم، فزاد أملنا بأن هناك مزيداً من الناجين".

لكن بعد انتهاء عمليات البحث الأولية، خيّم هدوء على المكان، قبل أن يلتقط زميله علي عمر صوتًا خافتًا من تحت الركام.

ويقول الشغنوبي: "قال لي: هناك صوت طفل هنا. في البداية لم أصدقه، وقلت ربما تكون قطة، لأن صوت الحيوان وهو مختنق يشبه صوت الطفل. وضعت أذني على السقف، وبعدها تأكدنا أن هناك صوتًا بالفعل".

بدأ رجال الإنقاذ بفتح ثغرة صغيرة باتجاه مصدر الصوت، ومع كل قطعة ركام كانوا يرفعوها كانت الدعوات تزداد بأن يصلوا للطفلة بخير.

ويقول: "عندما فتحنا المكان، سمعنا صوت طفلة. بدأنا نكبر ونحمد الله، ونقول: يا رب تخرج سالمة". لكن المشهد الأول الذي ظهر أمامهم كان مؤلمًا. يضيف: "وجدنا أختها وقد استشهدت، ثم واصلنا العمل حتى وصلنا إلى سلام".

كانت الرضيعة نائمة داخل ذراع خالها الشهيد، الذي بقي جسده يحتضنها بعد أن فارق الحياة.

ويتابع: "وجدناها في حضنه، كان يلف يده حولها كأنه يحاول حمايتها. السقف كان ضاغطًا عليهم، ولم يكن هناك مجال للحركة، لكن ذراعه كانت السبب بعد الله في بقائها".

خرجت سلام من تحت الركام بعد ست ساعات فقط من الاستهداف، وكانت تبلغ من العمر عشرين يومًا.

ويقول الشغنوبي: "عرفنا أنها ولدت مع بداية الحرب، وأنها فقدت عائلتها بالكامل. أصبحت الوحيدة التي بقيت من أسرتها".

وثق نوح لحظة إنقاذها، وانتشر الفيديو على نطاق واسع، بعدما حملت الطفلة الصغيرة قصة مختلفة وسط مشاهد الدمار التي كانت تصل من غزة.

ويقول: "نشرت الفيديو وكتبت أنها أُنقذت بعد ست ساعات، لكن كثيرين فهموا أنها ستة أيام، فظن العالم أنها بقيت تحت الركام ستة أيام وهي رضيعة، ولهذا انتشرت القصة بشكل أكبر".

وخلال ساعات، تحولت سلام إلى حديث المنصات، وتلقى الشغنوبي رسائل من أشخاص يرغبون في مساعدتها أو كفالتها.

ويقول: "لم نكن نملك وقتًا، كانت الاستهدافات متواصلة، ننتقل من مكان إلى آخر، ومن عملية إنقاذ إلى أخرى. بعدها نزحت سلام إلى الجنوب وانقطعت أخبارها".

ومرت السنوات، حتى جاء الخبر الذي أعاد القصة إلى بدايتها".

العودة إلى سلام

لم يكن نوح الشغنوبي يعرف إن كانت الطفلة التي حملها من تحت الركام ما زالت على قيد الحياة أم أن الحرب أخذتها كما أخذت آلاف الأرواح التي لم يجدوا لها أثرًا. بقيت صورتها عالقة في ذاكرته، إلى أن جاءه خبر أعاد إليه تلك اللحظة الأولى.

يقول: "تحدث معي أحد الزملاء، وأخبرني أن شقيقه متزوج من خالتها، وأنها تعيش معهم. سألته أكثر من مرة: هل أنت متأكد؟ وعندما أكد لي ذلك، شعرت بفرحة كبيرة، وبكيت لأنني لم أصدق أنني سأراها بعد كل هذه السنوات".

قرر الشغنوبي أن يذهب للقائها، لكنه لم يرغب بأن تكون الزيارة مجرد لحظة شخصية، بل أراد أن يعيد قصتها إلى الناس، ويذكرهم بالطفلة التي خرجت من تحت الركام في الأيام الأولى للحرب.

ويقول: "كنت أريد أن يعرف الناس أنها كبرت، وأنها ما زالت موجودة، وأن قصتها لم تنتهِ عند لحظة إنقاذها".

وأثار المقطع تفاعلاً واسعًا، واستعاد المتابعون المشهد الأول حين كانت سلام بين أيدي رجال الدفاع المدني، والمشهد الجديد وهي تقف أمام من أنقذ حياتها.

وحين التقاها، لم تعرفه سلام في البداية، فقد كانت أمام رجل غريب بالنسبة لطفلة لم تحتفظ بذكريات تلك اللحظات القاسية.

يقول: "في البداية كانت خائفة، فحاولت أن أقترب منها بطريقة تجعلها تشعر بالأمان. أحضرت لها العنب والكرز والألعاب، حتى تتقبل وجودي".

ويضيف أن الهدف من اللقاء لم يكن استعادة لحظة إنسانية فقط، بل من أجل فتح الباب أمام الاهتمام بمستقبل الطفلة التي فقدت عائلتها وهي في أيامها الأولى.

ويقول: "أتمنى أن تجد من يقف إلى جانبها، وأن تحصل على الرعاية التي تستحقها، فهي طفلة فقدت أهلها جميعًا، وتحتاج إلى من يساعدها حتى تكبر".

قصة سلام لا تحمل فقط تفاصيل نجاتها من الإبادة، بل تحمل أيضًا وجوه أشخاص كانوا جزءًا من تلك اللحظة قبل أن يرحلوا دون عودة.

بعد عملية الإنقاذ، التقط أفراد الدفاع المدني صورة جماعية ضمت خمسة عشر شخصًا ممن شاركوا في إخراج الطفلة من تحت الركام.

يقول الشغنوبي: "هذه الصورة لها معنى كبير بالنسبة لي. من بين الأشخاص الذين ظهروا فيها، استشهد أربعة خلال عمليات الإنقاذ والاستهدافات التي تعرض لها الدفاع المدني، ومنهم من أصيب ومنهم من عاش تفاصيل لا يمكن نسيانها.

ويعود بالذاكرة إلى زميله علي عمر، الذي كان أول من التقط صوت سلام تحت الركام.

ويقول: "كان علي السبب بعد الله في الوصول إليها، لأنه هو من سمع الصوت أول مرة. بقي أثره في هذه القصة، حتى بعد أن رحل".

وبينما كان يستعيد تفاصيل الحكاية، لم يتمكن نوح من إخفاء ثقل المشاهد التي عاشها خلال الحرب.

يقول: "نحن نقول دائمًا في الإعلام إننا صامدون وصابرون، لكن ما رأيناه كان أكبر من الكلام. هناك مشاهد تبقى داخل الإنسان".

 

 

اخبار ذات صلة