رائحة الزعتر والشاي المعقود على فرن الطينة كانت تمتزج بسكون الصباح في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، حيث كانت دعاء خليفة (45 عاما) تعد وجبة الفطور لعائلتها، بينما يجلس زوجها خالد خليفة (48 عاما) على باب المنزل يلاعب طفلهما الصغير "حمدي"، الذي لم يتجاوز العامين في ذلك الحين.
لم يكونوا يعرفون ما تخبئه لهم الأقدار من بعيد ولا أن الموت الذي يحصد أرواح الأبرياء في مجازر إسرائيلية متواصلة سيطرق بابهم في تلك اللحظة بالذات.
قصر الـ100 متر ودفء العائلة
ذلك البيت البسيط الذي لم تتجاوز مساحته 100 متر مربع، والمكون من "غرفة نوم وحمام ومطبخ"، كان بالنسبة لدعاء بمثابة قصر ترقد فيه بسعادة الاستقرار ودفء العائلة.
تقول دعاء لصحيفة "فلسطين": "كان زوجي مثالا للزوج الصالح ولم يبخل علينا بأي شيء، وكان يعشق أطفاله، وخاصة حمدي الذي توسط ثلاث بنات ليملأ حياتنا بهجة وسعادة".
وتتابع: "لم نكن نحتاج شيئا من الدنيا سوى أن نبقى معا، فتناغم الأسرة وبساطة العيش كانت تصنع لنا حياة كاملة من الفرح الذي لا يقدّر بثمن".
لكن تلك اللحظات الآمنة تبددت في لمح البصر بتاريخ 1 كانون الأول/ ديسمبر 2023. تستذكر دعاء تفاصيل تلك اللحظة المفجعة بالقول: "بينما كنت أجهز الفطور على فرن الطينة، وكان القصف يبدو بعيدا لكنه يحمل في طياته وحشية الاحتلال، وبينما كان زوجي يلاعب طفلنا على الباب وأنا غارقة في شعور السعادة والاطمئنان، وقع ما يشبه الزلزال".
وتضيف قائلة: "عشرات القذائف انهالت دفعة واحدة في هجوم دموي لم يتوقف لأكثر من سبع دقائق متواصلة حول المكان إلى كتل من النار والدمار".
وتستطرد وهي تروي فصول المأساة: "بعد أن هدأ القصف قليلا، خرجت أصرخ أنادي على زوجي وابني، لأتفاجأ بمشاهد مروعة لعشرات الشهداء والجرحى تملأ الطرقات وأمام البيوت. لم أجد خالد في مكانه، فظننت لوهلة أنه ذهب للمساعدة كعادته، لكن القلق على طفلي زلزل روحي. بدأت أبحث عنه في الشارع، فوقعت عيناي على زوجي مضرجا بدمائه شهيدا، وطفلي الصغير ملقى على بعد أمتار وهو فاقد الوعي وغارق في دمائه".
سارعت دعاء بمن تبقى من جيرانها لنقل الصغير إلى المشفى، وهناك بذل الأطباء جهودا مضنية لإنعاشه، لتعود إليه الحياة بعد مشوار طويل من العناية الفائقة. ورغم استقرار حالته الصحية نسبيا اليوم، إلا أن الصغير حمدي ما زال يعاني من آثار تلك الإصابة القاسية التي خطفت منه أباه وهو في ربيعه الثاني.
وتصف دعاء حالة ابنها بمرارة: "حمدي يكبر اليوم وهو يحمل في جسده الصغير ندوب تلك المجزرة، يتساءل مرارا عن أبيه الذي اعتاد أن يلاعبه على عتبة الباب، ولا أملك إلا أن أداري دمعتي أمامه. إنه يعاني من آلام متكررة ومضاعفات نفسية وجسدية تذيب قلبي كلما نظرت إليه".
كابوس الخيمة والظلام الدامس
اليوم، تحولت تفاصيل تلك الحياة المستقرة إلى كابوس يومي قاس تعيشه العائلة في خيمة مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية، لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء القارس.
توضح دعاء واقعهم المرير قائلة: "نعيش في خيمة مهترئة وسط ظروف بالغة الصعوبة، لا يوجد لدينا أي مصدر دخل، ولا تدخل إلينا سوى الفتات من المساعدات التي لا تسمن ولا تغني من جوع".
وتستطرد شارحة تفاصيل العذاب اليومي: "أتألم كل يوم على فقد زوجي، وعندما يحل الليل يتحول الأمر إلى كابوس مرعب، فالظلام دامس، والخيمة لا ترد طارقا ولا وحشا، وتهاجمنا الكلاب والقوارض والحشرات طوال الليل، نبقى أنا وأطفالي نرتعب من الخوف، وضعنا لا يطاق وأصبح القبر أحيانا أرحم من هذه الحياة اليومية".
وتختتم دعاء حديثها بنداء عاجل ترفعه إلى أحرار العالم: "نناشد إيجاد حل مناسب يمكننا من العيش بكرامة، وإخراجنا من هذه الجحور التي نعيش فيها بعد أن دمر الاحتلال أحلامنا وآمالنا وأخذ سندنا وعمود بيتنا. أين العالم؟ أين الضمير العربي والإسلامي مما يعيشه أهل غزة من قهر وعذاب وظلم لم يشهده التاريخ الحديث؟ ألا يستحق أطفالنا أن يعيشوا كباقي أطفال العالم بأمان وسلام؟".
تبقى حكاية الشهيد خالد خليفة وطفله الناجي "حمدي" واحدة من آلاف القصص الحية التي تختزل مأساة غزة المستمرة، حكاية تروى من بين خيام التمزيق والوجع، لتشهد على ثبات عائلة تكابد ألم الفقد وقسوة النزوح، بانتظار عدالة غائبة تضع حدا لهذا الكابوس الإنساني المفتوح.