لم تكن الطفلة إيلين العطار، ذات الأعوام الثلاثة، تدرك أن دقائق من الخوف ستغيّر ملامح طفولتها إلى الأبد، كانت تركض بين الفتيات في محيط خيمتها، تلهو كما يفعل الأطفال، في حين كان دوي القصف يقترب من المكان. وفي لحظة خوف، تحولت الخيمة التي كان يُفترض أن تكون ملاذًا إلى مسرح لمأساة جديدة، لتبدأ رحلة طويلة من الألم والعلاج والانتظار.
يروي والدها تفاصيل ذلك اليوم الذي لا يغيب عن ذاكرته، قائلاً: "في يوم الجمعة الموافق 5/2/2026 كنت في المسجد عندما وقع قصف على بعد نحو 200 متر من الخيمة. كانت إيلين تلعب مع فتيات في عمرها، وعندما سمعت والدتها صوت الانفجار سارعت إلى إنزال القدر عن النار وخرجت تبحث عنها خوفًا عليها".
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "في تلك الأثناء عادت إيلين إلى الخيمة وحدها، ومن شدة الخوف لم تنتبه إلى القدر الموضوعة على الأرض، فسقطت عليه، وأصيبت بحروق عميقة في أنحاء واسعة من جسدها".
كانت الدقائق الأولى حاسمة، لكن ما تلاها كان أشد قسوة، وصلت الطفلة إلى المستشفى وهي في حالة حرجة للغاية، لتبدأ معركة طويلة بين الحياة و الموت داخل قسم العناية المركزة.
ويتابع والدها: "عندما نقلناها إلى المستشفى كان وضعها سيئًا جدًا، بقيت في العناية المركزة خمسةً وثلاثين يومًا وهي غائبة عن الوعي، ولم يكن لدى الأطباء أي أمل في أن تنجو، ولا سيما أن الحروق امتدت إلى الرئتين، وأصيبت بتسمم في الدم، واحتاجت إلى سبعٍ وعشرين وحدة دم حتى استقرت حالتها".
رحلة يومية شاقة
وبالرغم من تجاوزها أخطر المراحل، لم تنتهِ معاناة إيلين، إذ بدأت آثار الحروق تترك ندوبًا قاسية على جسدها الصغير مع نمو ما يُعرف بالنسيج الوحشي، وهو ما ضاعف آلامها اليومية.
ويكمل والدها بأسى: "النسيج الوحشي بات يشوه جسدها بسبب نقص العلاج والمراهم المناسبة، وهي تعاني حكة شديدة في أماكن الحروق، ولا تستطيع تحمل الألم".
لم تعد إيلين تلك الطفلة التي كانت تركض وتلعب، أصبح الليل بالنسبة إليها ساعات طويلة من البكاء، في حين يزيد النهار معاناتها داخل خيمة لا تقيها حرارة الصيف ولا تخفف من آلام الحروق.
ويصف والدها حالتها اليومية قائلاً: "إيلين لا تنام ليلًا من شدة الألم، ولا تستطيع الجلوس نهارًا داخل الخيمة لأن حرارة الجو تزيد من معاناتها، فهي تعيش في ألم متواصل".
ولا تتوقف معاناة الأسرة عند الألم الجسدي، بل تمتد إلى رحلة يومية شاقة للبحث عن العلاج، فالمراهم التجميلية والطبية التي تحتاجها الطفلة بشكل مستمر نادرة، وإن وُجدت تكون أسعارها باهظة تفوق قدرة الأسرة.
ويردف والدها: "هي بحاجة دائمة إلى مراهم طبية تجميلية، لكنها غير متوفرة. أحيانًا أبحث أسبوعًا كاملًا حتى أجد نوعًا واحدًا، وفي كثير من الأحيان لا أجده أصلًا، وإن توفر يكون ثمنه مرتفعًا جدًا".
ورغم خطورة حالتها، ما تزال الأسرة تتمسك بأمل العلاج خارج القطاع. فمنذ إصابتها حصلت إيلين على تحويلة علاجية عاجلة، إلا أن الأشهر تمضي دون أي اتصال يحدد موعد سفرها.
ويختم والدها حديثه بصوت يملؤه الرجاء: "منذ إصابتها حتى اليوم ما زلنا ننتظر الاتصال، كل يوم يمر يزيد من معاناتها، وأخشى أن تضيع فرصة إنقاذها قبل أن تتمكن من الوصول إلى العلاج الذي تحتاجه".
فتقضي هذه الصغيرة أيامها بين الألم والضمادات والمراهم، وتنتظر مع أسرتها مكالمة قد تمنحها فرصة لاستعادة جزء من طفولتها التي سرقتها الحروق، وتعيد إلى جسدها الصغير أملاً في التعافي وحياة أكثر رحمة.