في خيمة صغيرة بمواصي خانيونس، يحاول فنانون تشكيليون في قطاع غزة تحويل مشاهد الحرب اليومية إلى لوحات تحفظ تفاصيل القصف والجوع والنزوح، بعدما فقد كثير منهم منازلهم وأعمالهم الفنية، ولم يبقَ لهم سوى أدوات محدودة وذاكرة مثقلة بالمشاهد.
بين ألوان قليلة وأوراق متاحة، يرسم الفنانون أطفالاً يتحولون إلى أشلاء، ونازحين يحملون عبوات المياه، وشاحنات مساعدات يتجمع حولها شبان بحثاً عن كيس طحين، في محاولة لتحويل المأساة اليومية إلى ذاكرة بصرية تصل إلى العالم.
الفنان التشكيلي جهاد الشرافي، 50 عاماً، واحد من هؤلاء. ينحدر من مخيم جباليا شمالي القطاع، ويعيش حالياً في خيمة بمواصي خانيونس مع أسرته، بعدما دُمر منزله وفقد نحو 80 عملاً فنياً كان يحتفظ بها داخله.
يقول الشرافي لصحيفة "فلسطين" إن الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر تركت الفنانين أمام أزمة مزدوجة: فقدان المواد الفنية وضياع أعمالهم التي أنجزوها خلال سنوات.
ويضيف: "من بداية 7 أكتوبر ما فيش خامات، فكنا نستعين بالاسكتشات الورقية والقلم الأسود، قلم الفحم، ونجسد أي شيء كان يصير عندنا؛ الدمار والإخلاءات والبيوت اللي تنزل على ساكنيها".
لكن الحرب لم تدمّر منزله فقط، بل ابتلعت أيضاً جزءاً كبيراً من تاريخه الفني.
ويقول: "عندي في مخيم جباليا 80 عمل فني، هُدمت في البيت. كانت من أغلى اللوحات، وتعبت عليها، وكنت أتناول فيها المناظر الطبيعية والوطن وحق العودة".
مع استمرار الحرب، تغيرت موضوعات الشرافي من الطبيعة والوطن إلى القصف والموت والجوع والنزوح.
ويقول إن من أكثر المشاهد التي أثرت فيه الأطفال الذين كانوا يلعبون في الشوارع أو داخل مدارس تؤوي النازحين، قبل أن يتحولوا خلال لحظات إلى ضحايا للقصف.
ويقول: "كانوا أطفالاً بيلعبوا، وفجأة ينزل عليهم صاروخ، يصيروا أشلاء ويختفوا، ويصير المكان ركاماً وألواناً رمادية".
ويحاول ترجمة تلك المشاهد إلى ألوان، مستخدماً الأحمر والأسود والبنفسجي، فيما يعتمد الفحم لتوثيق مشاهد النزوح والخيام المهترئة والأطفال الذين يحملون عبوات المياه.
ويقول: "الطفل الصغير أو البنت الصغيرة تحمل 10 ليتر وتتميل فيها شمال ويمين، هذه من الأشياء اللي تناولتها".
لكن إحدى لوحاته الأحدث تركز على مشهد آخر من الحرب: تجمع الشبان حول شاحنات المساعدات بحثاً عن الطعام.
في اللوحة، تظهر شاحنة باللونين الأصفر والأسود، بينما يحيط بها شبان يحاولون الحصول على أكياس الطحين والمواد الغذائية.
ويشرح الشرافي اختياره للألوان بالقول إنه لم يعد يرى العالم بالألوان التي اعتادها قبل الحرب.
"كنت أنا من الناس اللي جاعوا، وكنت نحيف بشكل كبير، وتحولت الناس قدامي كلها إلى أصفر. لون السما شفته رمادي، ولون الأرض اختفى"، يقول.
ويضيف: "بطلت أشوف الألوان، صرت أشوف الناس عبارة عن أصفر وأسود".
ولم تكن الألوان متاحة بسهولة، إذ حصل عليها من صديق في دير البلح، في ظل صعوبة الحصول على مستلزمات الرسم.
ويقول: "ما فيش خامات من 7 أكتوبر للحظة هذه. حصلت على اللون الأصفر والأسود من صديق، وقلت بدي أعبر عن ذاتي وعن اللي شفته".
يرى الشرافي أن الفن التشكيلي لا يحتاج إلى ترجمة، وأن اللوحة يمكن أن تتحول إلى رسالة تتجاوز الحدود.
ويقول: "الفن التشكيلي أكبر رسالة إحنا بنوصلها للعالم كله. هذه لغة العالم، واللوحة الصامتة تحاكي الناس".
ويضيف: "اليوم لو شفت شاحنات وشباب حوالين الشاحنات، بتعرف إنها مجاعة غزة، وإنهم بيبحثوا عن الطعام".
ولا يملك الفنان منصة كبيرة لعرض أعماله، ويعتمد أساساً على حسابه في فيسبوك، لكنه يأمل أن تصل لوحاته إلى جمهور أوسع.
ويقول: "بدنا من خلال الإعلام والمحطات يوصل صوتنا للعالم، حتى نوصل للعالم معاناة هذا الشعب".
ولا يقتصر اهتمام الشرافي على أعماله، إذ يحاول أيضاً مساعدة الأطفال في مخيمات النزوح على التعبير عن تجاربهم من خلال الرسم.
ويقول إن كثيراً من الأطفال يمتلكون مواهب فنية، وإن الرسم يمكن أن يمنحهم مساحة للتفريغ النفسي في ظل الظروف التي يعيشونها.
وكان الشرافي ينظم دورات للأطفال، لكنه يواجه نقصاً في الدعم والمواد.
ويقول: "أتمنى يكون في دعم للأطفال، حتى نساعدهم ونؤمن لهم أقلام الفحم والأوراق حتى يعبروا".
في خيمة النزوح، لا يرسم الشرافي الحرب من بعيد؛ بل يرسم ما عاشه، وما فقده، وما يراه يومياً من حوله.
وبينما التهم الركام عشرات لوحاته التي أنجزها قبل الحرب، يواصل الرسم بأدوات قليلة، وكأنه يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة.
فما تبقى من ألوانه لا يرسم الحرب فقط، بل يوثق أيضاً حياة الفلسطينيين تحتها؛ أطفالاً كانوا يحلمون باللعب، وعائلات تبحث عن الطعام، ونازحين يحملون ما تبقى من حياتهم إلى خيمة، وفنانين يحاولون أن يمنحوا المأساة وجهاً لا يختفي تحت الركام.

